فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 131

سمع عمر - رضي الله عنه - أبيات الشيخ الكبير وقد ألقاها عليه رقَّ له رقة بالغة، فأرسل على الفور في طلب الابن كلاب، فقدم عليه ووصف له من برّه بأبيه، وأنه كان يحلب له. فقال له عمر - رضي الله عنه: احلب لنا. فحلب، وحضر الشيخ الكبير أميَّةُ، فسقاه عمر مما حلبه ابنه كلاب، وهو لم يدر بقدوم ابنه بعدُ، فلما تناول الحليب ليشربه قال: إني لأشم رائحة يدي كلاب، فرقَّت نفس عمر - رضي الله عنه - لهذا الموقف وبكى، ثم قال: هذا ابنك كلاب. فضم الوالدُ ابنَه إليه في شوق بالغ، ثم قال عمر - رضي الله عنه - للابن كلاب: جاهد في أبويك [1] .

وهذه القصة تدل بكل جلاء ووضوح على المعاني الإنسانية الكبيرة والعظيمة في تاريخ أمتنا، ومواقف قادتها - رضي الله عنهم - وهي مواقف تدل على إنسانيتهم وتقديرهم لإنسانية الإنسان وحقوقه ومشاعره وعواطفه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، فلقد تربَّوا على يدي المربي الأعظم سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسله ربه تبارك وتعالى رحمة للعالمين.

كما تشير القصة إلى ما كانت عليه نفوس الصحابة - رضي الله عنهم - من سعة الإدراك لمعنى العلاقة الإنسانية في شموليتها، وفي خصوصيتها وتقديرهم البعيد لذلك، فأميَّةُ وابنه كلاب هما إنسانان قبل كل شيء، وعاطفة الوالدية لها جلال وجمال ومهابة وتقدير لدى النفوس الكبيرة،

(1) انظر فيما مضى: بر الوالدين لأبي بكر الطرطوشي (79 - 80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت