فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 131

مظاهر التقصير في حق والديه من آن لآخر. فإن قصة جريج قد دلت (( على أن أعمال العاملين، وإن كثرت، وطاعة المطيعين، وإن عظمت، وزهادة الزاهدين، وإن تناهت، فإنه لا يوازي يسير العقوق ) ) [1] . كما دلت القصة على: أن للأم أن تدعو على الولد عند المخالفة وأن احتجاب الولد عن أمه بدون ضرورة عقوق. وأن طاعة الوالدين واجبة في ترك النوافل [2] ، و (( أن الدعاء كان مجازاة على جنس المعصية؛ لأن جريجاً لما منع والدته أن تنظر إلى وجهه وينظر إلى وجهها دعت عليه أن يبتليه الله بالنظر في وجوه المياميس وهنَّ الزواني، ففي حلول العقوبة عليه دليل على إخلاله بغرض الإجابة. وجريج كان من أعبد بني إسرائيل وأفضل أهل زمانه خرقت له العادة، وكوشف بالكرامة، فقال للمولود: من أبوك؟ قال: الراعي، ثم عوقب لأنه لم يجب نداء أمه، فما الظن بمن كان دونه في الفضل وفوقه في العقوق؟ ) ) [3] . اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.

وقد حفل تاريخنا الإسلامي العظيم بمواقف رائعة نيِّرة تدل بجلاء ووضوح على ما استقر في وجدان أمتنا من تقدير لمكانة الوالدين ووفاء لحقهما، وتأكيد حقهما في مشاهدة أبنائهما والأنس بهما، وذلك دليل واضح وبرهان ساطع على أثر الهدي القرآني العظيم، والسنة النبوية الشريفة في تربية الأمة بما بيَّنَّا من حقوق الوالدين ودليل على فضلهما وشأنهما. فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ترق نفسه لأبيات من الشعر فاضت بها نفس شيخ كبير وجاشت بها مشاعره شوقاً إلى ولده ورغبة في رؤياه وقربه. كان أمية بن أَسْكَر أدرك الجاهلية والإسلام، وكان له ابن يُسمَّى كلاباً وكان يبرُّ به، وقد استعمل عمرُ كلاباً على الأيلة، فاشتاقت نفس الشيخ الكبير إلى ولده كلاب ففاضت نفسه المشتاقة بهذه الأبيات:

لِمَنْ شَيْخَانِ قَدْ نَشَدَا كلاباً ... كِتَابَ اللهِ لَوْ عَقَلَ الكتابَا

أُنَادِيهِ فَيُعْرِضُ فِي إِبَاءٍ ... فَلا وَأَبِي كلابٍ مَا أَصَابَا

إِذَا سَجَعَتْ حَمَامَةُ بَطْنِ وَادٍ ... إِلى بَيْضَاتِهَا أَدْعُو كلابَا

تَرَكْتَ أَبَاكَ مُرْعِشَةً يَدَاهُ ... وَأُمَّكَ مَا تَسِيغُ لَهَا شَرابَا

فَإِنَّكَ وَالتِمَاسَ الأَجْرِ بَعْدِي ... كَبَاغِي الماءِ يَتْبَعُ سَرابَا

ورضي الله تبارك وتعالى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرحماء الغرّ الميامين الذي كمَّل الله شخصياتهم، وبارك نفوسهم فجعلها نفوساً طيبة رحيمة كريمة ودودة مصداقاً لقوله تعالى: ... [4] الآية. فلما

(1) بر الوالدين لأبي بكر الطرطوشي (137) .

(2) المصدر نفسه (197) .

(3) المصدر نفسه (137 - 138) .

(4) سورة الفتح، الآية (29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت