[1] ، والحسنة من الإحسان تقع على كل فعلة تستحسنها العقول وتستلذها الطباع، من قول وفعل، ومأكول ومشروب، ومرئي ومسموع، إلى غير ذلك. والإحسان له أثره الكبير الفعال في نفوس المحسَن إليهم؛ لأنه يترتب عليه إشاعة جو المودة والحب بين الناس، وانحسار دائرة الحقد والكراهية بينهم، ولأن الإحسان شيء عظيم عند الله تعالى، فقد وعد عليه بالثواب الجزيل والأجر العظيم، وجعل الجزاء المترتب عليه جنة النعيم، وبيَّن سبحانه في كتابه أنه يحب المحسنين، وجعل رحمته قريباً من المحسنين، وجعل معيَّته لهم، وبيَّن أن الإحسان إلى خلقه سيقابل بالإحسان منه سبحانه وتعالى.
وإذا كان ذلك كله وسواه مقابل الإحسان إلى خلق الله بما يشمل الإنسان والحيوان، فكيف يكون الأجر على الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين، واليتامى، والضعفاء، والمحاويج، والجار بنوعيه، والصاحب بالجنب، والأخ في الله تعالى؟ ثم كيف يكون الأجر على الإحسان إلى الوالدين، وهما أولى الناس بإحسان ولدهما؟ وجاء الإحسان في كتاب الله تعالى مأموراً به الولد أداءً لحق والديه معبَّراً عنه بالمصدر (إحساناً) دون سواه، وذلك يدل دلالة واضحة على أن الولد مطالَب بالإحسان لوالديه في كل حال وزمان إحساناً يتواصل بالليل والنهار، بالسر والجهار، ظاهراً وباطناً، يشمل كل ما يمكن أن يطلق عليه إحسان، ولانهاية لبحر الإحسان، فهو بحر لا ساحل له، واسع بسعة أطرافه، وميادينه، ومجالاته ووسائله، وهو بحر واسع بسعة وعظمة وكبرِ النفوس التي ملأ الله تعالى جوانبها بالإحسان فأشرقت بهذا الإحسان جمالاً وتألقاً وبهاءً وفاضت إحساناً إلى مخلوقات الله بعامة، وإلى ذوي الرحم بخاصة، وإلى الوالدين بسبيل أخص وأعظم. والإحسان إلى الوالدين معنى واسع يدل على معاني الرفق، واللطف، والعناية، والرحمة، وسواها من معانٍ كثيرة هي ميدان واسع أمام من يريد بذل الجهد والترقي في الإحسان إلى الوالدين، والله تعالى يقول: ... [2] ، والله يؤتي فضله من يشاء وهو بكل شيء عليم.
ومن الألفاظ القرآنية الجامعة المانعة في بر الوالدين: (الشكر) ، وأصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في بدن الحيوان ظهوراً بيِّناً، وهو مأخوذ من قول العرب: دابة شكور، إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف، وبقرة شكور، إذا كانت ممتلئة الضرع لبناً، ونبتة شكور، إذا كانت تجتزئ بيسير الماء تنمو عليه [3] . ومقام الشكر عظيم عند الله تعالى، فأحب الأشياء إليه الشكر وأهله، وأبغضها إليه الكفر وأهله، ولما عرف عدوّ الله إبليس - عليه اللعنة - قدر مقام الشكر، وأنه من أجلِّ
(1) سورة البقرة، الآية (201) .
(2) سورة الرحمن، الآية (60) .
(3) بر الوالدين للطرطوشي (93 - 94) ، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (461) .