ابن عباس - رضي الله عنهما-: (( لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه مثله ) ). وقيل لسعيد بن جبير: (( المجوسي يوليني خيراً، أفأشكره؟ قال: نعم ) ) [1] .
ذلك هو سبيل النفوس الكريمة في تقديرها للمعروف وإكبارها له، والشكر عليه، وعدم كفرانه ونكرانه، وتزداد النفوس الكريمة في إكبارها للمعروف وأهله حين يكون هذا المعروف هو ذلك العطاء الفطري الذي ينساب في غير تكلف، ولا يريد صاحبه من ورائه جزاءً ولا شكوراً، وذلك هو معروف الوالدين لأبنائهما وعطاؤهما في ساحة الوالدية الكريمة الحنون الرؤوم، فتدرك تلك النفوس الكريمة قيمة، وقداسة، وشرف التكليف الإلهي بشكر الوالدين، بعد شكر الله تعالى، فتتفاعل معه، وتنفعل به، امتثالاً وأداءً، باذلة لكل جهد لتكون في هيئة شاكرة للوالدين بمقالها، وحالها، وفعلها. فلا يمل أصحابها من ذكر جميل الوالدين، وذكر ما بذلا، وقدّما مع الثناء عليهما، والدعاء لهما بالرحمة والمغفرة.
وكفران المعروف ونكران الجميل أمر قبيح مستكره، لا يصدر إلا من نفسٍ ملأَ الحقدُ جوانبَها فأظلم ساحتها فلم تعد مهيأة لرؤية المعروف، وتمثل الجميل، فالجحود شعارها، والتنكر والتنمر للمعروف وأهله دثارها. وذلك أمر خطير وشنيع له آثاره المدمرة التي تعود بالشر على صاحبه. ومن أجل أن ينأى المسلمون عن ذلك قابل القرآن الكريم بين الشكر والكفر، فلم يجعل في
(1) انظر: بهجة المَجَالس وأنس المُجَالِس لابن عبد البر (1/ 313) .