فهرس الكتاب
غاية الخلق، وأما غاية الأمر، فقال سبحانه: ... [1] ، ويجوز أن يكون قوله تعالى ... تعليلاً لقضائه لهم بالنصر، ولأمره لهم بالتقوى، ولهما معاً، وهو الظاهر، فالشكر غاية الخلق والأمر [2] .
إن الخلق كلهم مدينون بالشكر لله تعالى، فهو الذي خلقهم وأحسن هذا الخلق، ثم أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه لهدايتهم إلى الحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور وبيَّن فيما شرعه لهم الحقوقَ، والواجباتِ، ورتّب على ذلك الثواب والعقاب. والبرُّ بالوالدين- ومنه شكرهما- هو أمر الله تعالى. والامتثال له من الإيمان، فالعلاقة بين شكر الله تعالى - الذي يستلزم شكر الوالدين- وبين الإيمان علاقة وطيدة. قال الله تعالى: ... [3] ولا يعبد الله تعالى إلا المؤمنون.
إن مدرسة الشكر لله تعالى تربي النفوس على معانٍ نبيلة من الإحساس بقيمة النعم وأثرها في الحياة، فتسمو النفوس بذلك سمواً تستشعر من خلاله إعطاء كل ذي حق حقه من الشكر والثناء بما قدّم وأسدى، ومن ذلك إحساس الولد المسلم بأن أولى الناس حقوقاً عليه هما الوالدان اللذان جعلهما الله تعالى وسيلة التخليق، وأعانهما بالفطرة على البذل والعطاء والتحمل والحب لولدهما بصورة لم يعطها لغيرهما، فحقهما عليه من الشكر أكثر وأوجب، وهو شكر يأتي بعد شكر الله تعالى خالق الخلق أجمعين.
فشكر الله تعالى يستشعر المسلم من خلاله معنى عبوديته لربه، وإقراره له تعالى بالوحدانية والإلهية والربوبية، ويستشعر من خلال الشكر للوالدين معنى الوفاء للمعروف الذي بذلاه.
ومما لا ينبغي إغفاله أن اقتران شكر الوالدين بشكر الله تعالى يدل على عظيم حق الوالدين على ولدهما. فلم يرد في القرآن الكريم أمر الله تعالى لأحد من خلقه بشكر مخلوق آخر مثله إلا ما ورد في حق الولد، وأمره بشكر والديه في آية سورة لقمان في قوله تعالى ... [4] .
ومن الألفاظ القرآنية الجامعة في بر الوالدين (الصحبة) : قال الله تعالى: ... [5] الآية. ومدار هذه الكلمة على الملازمة والحفظ، والصاحب هو الملازم، إنساناً كان أو حيواناً، أو مكاناً، أو زماناً، والأصل في الصحبة أن تكون بالبدن وهو الأكثر، وقد تكون
(1) سورة آل عمران، الآية (123) .
(2) انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (119) .
(3) سورة البقرة، الآية (172) .
(4) سورة لقمان، الآية (14)
(5) سورة لقمان، الآية (15) .