فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 131

تعالى: ... [1] هي في الوالدين المشركين الضاريين في شركهما لحمل ابنهما المسلم على ترك دينه ومجاهدته على ذلك، فكيف يكون الحال في صحبة الوالدين المسلمين؟

إذا كان الولد مأموراً بصحبة والديه الكافرين الضاريين في كفرهما بالمعروف فإن مسؤولية هذه الصحبة تكبر وتعظم حين يكون الوالدان مسلمين. إن الدلالات والمعاني التي ينطوي عليها معنى (الصحبة) للوالدين لهي جديرة بأن يتأملها العاقل الحصيف وهو يتعامل مع والديه غير غافل عن ذلك المعنى الكبير الذي يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الرجل الذي جاءه يبايعه على الهجرة والجهاد في الحديث المتفق عليه من رواية عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: (( أقبل رجل إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله. قال: فهل من والديك أحد حَيٌّ؟ قال: نعم، بل كلاهما. قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ) [2] فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبة الوالدين جهاداً، (( وأقل درجات الجهاد أن يكون مندوباً، وقدّم - عليه الصلاة والسلام- فَضْل صحبتهما على فَضْل الجهاد، هذا، ولم ينقل أنهما منعاه ولا بكيَا إشفاقاً عليه، ولا توجبت عليه طاعتهما. فما الظن عند منعهما إياه وبكائهما ) ) [3] .

وهذا الحديث الشريف ينبغي أن يتأمله العاقل الحريص على صحبة والديه، وإحسان هذه الصحبة وإنزالها منزلتها اللائقة بها (( لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم أن له أبوين ليقال: لعله كانت له حاجة أو بكاء وشفقة، بل علّق الحكم على مجرد الأبوة، وأيضاً فإنه لا صحبة أجلُّ وأشرف من صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم قدّم النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبتهما على صحبته، وناهيك بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وسيلة وداعياً إلى الله تعالى وقربة، ومعلوم أن العُلا بأسره، والخير بحذافيره في صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ندب الولد إلى صحبتهما دون صحبته ) ) [4] .

وإن المتأمل في تاريخنا الإسلامي ليجد صفحات وضيئة ومواقف رائدة في صحبة الوالدين بما يشكل أقباساً تنير الدرب أمام السائرين على طريق حسن الصحبة للوالدين، روي عن المأمون قوله: لم أر أبرّ من الفضل ابن يحيى البرمكي بأبيه، بلغ من برّه بأبيه وحسن صحبته أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بالماء الحار، وكانا في السجن معاً فمنعهما السجَّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قَمْقَم، كان بالسجن،

(1) سورة لقمان، الآية (15) .

(2) أخرجه البخاري في الصحيح (3/ 1094) رقم (2842) ، ومسلم في الصحيح (4/ 1975) رقم 2549)، وقد سبق أيضاً بنحوه في ص (68) .

(3) بر الوالدين للطرطوشي (134) .

(4) نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت