(ولما قدم وفد الأشعريين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألهم قائلاً:(( أمنكم كانت وجرة؟ ) )قالوا: نعم. قال: (( فإن الله قد أدخلها الجنة ببرّها بوالدتها، ووالدتها مشركة ) )أغير على حيِّها، فاحتملت والدتها تشتد بها في الرمضاء فإذا احترقت قدماها جلستْ وأجلستْ أمها في حجرها وأظلتها من الشمس، فإذا أراحت حملتها حتى نجَّتها) [1] .
ومن الألفاظ القرآنية الجامعة في بر الوالدين: (القول الكريم) قال الله تعالى: ... [2] . إن العلاقة بين الناس تحسن أو تسوء بناءً على الأثر الذي تحدثه الكلمة فيما بينهم، فالقول الطيب يحدث أثراً طيبا وعجيباً في نفوس الآخرين مودة، وقرباً، وإحساناً، وتواصلاً، وعلى العكس من ذلك يكون الأثر السيء الذي ينجم عن القول المؤذي، تباغضاً وتباعداً، وتقاطعاً، وتدابراً. وقد وجَّه الله تعالى عباده المؤمنين إلى أهمية القول للناس حسناً ليكونوا علامات نيِّرة جميلة تنير الدرب للسالكين على طريق التعامل مع الآخرين، فقال سبحانه: ... [3] ، وبيّن تعالى في كتابه الكريم من صفات أهل الجنة هدايتهم إلى القول الطيب، فقال جل جلاله: ... [4] ، ورتَّب على هدايتهم إلى الطيب من القول هدايتهم إلى صراطه الحميد، فقال سبحانه وتعالى: ... [5] وذلك يدل على أن الهداية إلى الطيب من القول هي سبيل الهداية إلى صراط الله الحميد، والعكس صحيح، وهو أمر ينبئ عن شأن وأهمية الطيب من القول، وأثره القريب والبعيد، فالحُسن في القول للآخرين سبب لنشر معاني الحب والتقدير والاحترام بين الناس، وإحساس كل واحد منهم بالآخر، وبقيمته الإنسانية في الحياة.
وإذا كان تحري الحسن، والطيب من القول مع الآخرين مطلوباً ومرغوباً فهو مع الوالدين أوجب، وألزم، وأوكد، فهما أولى الناس بسماع ذلك من ولدهما لأنهما قد أسمعاه ذلك كثيراً سنين طويلة من عمره وهما به فرِحان مسروران منذ ولادته، فلم يسمع منهما- وهو صغير- إلا كلاماً حلواً جميلاً، يناغيانه به، ويداعبان مشاعره، ويلاطفانه بذلك وسواه، مما كان سبباً في بناء شخصيته فيما بعد، وذلك هو عطاء الوالدية الرحب الفياض والذي يعجز الواصفون عن الإحاطة بجوانبه، فهو عطاء لا يسعه رحب الأرض الواسع وصفاً لخيره الكثير وآثاره الكريمة. فلا أقل من أن يبادلهما الولد بشيء من
(1) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا 086)، وشعب الإيمان للبيهقي (6/ 208 - 209) وقال البيهقي: هذا مرسل.
(2) سورة الإسراء، الآية (23) .
(3) سورة البقرة، الآية (83) .
(4) سورة الحج، الآية (24) .
(5) سورة الحج، الآية (25) .