ذلك، ويرد شيئاً من جميلهما الكبير الواسع، والحال أنهما قد كبر سنهما، ووهنت قواهما، وظهرت إليه حاجتهما، وابتعد عنهما الصديق، والقريب، والرفيق، فلم يبق لهما مما يتأنسان به في هذه الوحشة إلا ولدهما، يتأنسان بشخصه، وطيب مقاله، وحسن معاملته. والقول مقدمة الفعل، وهو يدل على ما بعده، فالوالدان في هذه المرحلة في حاجة إلى مراعاة مشاعرهما، وبداية ذلك القول، فالقول له أثره في نفسيهما، ولذلك كله وسواه جاء الأمر الإلهي الكريم للولد بأن يكون قوله لوالديه - خاصة في مرحلة كبرهما- قولاً كريماً، قال الله تعالى: ... [1] والعجيب أن مقالة المفسرين لم تحدد المراد من القول الكريم فجاءت عباراتهم تدل على اجتهاد أصحابها في محاولة منهم لتقريب ذلك، فتارة فُسِّر بأنه القول اللين الطيب الحسن في أدب وتوقير وتعظيم، وإكرام، وتارة فُسِّر بأنه القول الشريف الذي يسر الوالدين ولا يسوءهما بأدنى نوع من الإساءة، وتارة فُسِّر بأنه القول المحمود في كل أحواله، وما ينشأ ويترتب عليه [2] .
على أن وصف القول بـ (الكريم) تبقى دلالاته وإيحاءاته، وأبعاده، أوسع دائرة، وأبعد مدى من عبارات المفسرين.
(1) سورة الإسراء، الآية (23) .
(2) انظر- مثلا: مفردات الراغب (707) ، وتفسير الخازن (3/ 127) ، وغرائب القرآن للنيسابوري المجلد الرابع (15/ 341) ، وتفسير ابن باديس (104) .