وسبلها. ومع هذه المجاهدة وشدتها يجب على الولد صحبتهما في الدنيا بالمعروف، ولا يطيعهما فيما أمرا به من الكفر، وذلك في موقف ينمُّ عن أدب الولد وإكرامه لمقام الوالدية، فلا سب ولا فحش ولا هجر في كلامه معهما، برغم ما أمراه به من الكفر.
وهو أمر له دلالاته وأبعاده التي ينبغي التوقف عندها تبصُّراً وتدبُّراً وفهماً واستنباطاً، لندرك إلى أي مدى يذهب الهدي القرآني الكريم في تقدير مكانة الوالدين وتقرير وجوب الإحسان إليهما، وهو أمر يدعونا كذلك إلى أن نلقي الضوء على تلك النماذج من تلك المعاملات الخاطئة التي تصدر من بعض الناس في تعاملهم مع الوالدين المسلمين غير الملتزمين أحياناً. ونسي هؤلاء أن مناط الحكم وعلَّته في الأمر ببر الوالدين والنهي عن عقوقهما هي الوالدية، أي كونهما والدين، وليس كونهما ملتزمين، أو صالحين، وكأن هؤلاء يربطون بين البر بالوالدين وبين كونهما ملتزمين، فإذا كان الوالدان- أو أحدهما- على غير ذلك، انتقصوا قدره، وعاملوه بغلظة، ونصَّبوا أنفسهم على الوالدين وصاة أشداء، زاعمين أنهم بذلك يطبقون شرع الله. والهدي القرآني الكريم يبيِّن - وبكل وضوح - وجوب الإحسان إلى الوالدين، ولو كانا كافرين كفراً شديداً. وفرق كبير جداً بين المسلم المقصر، وبين الكافر، فالوالدان المسلمان اللذان- يبدو منهما - أو من أحدهما- التقصير، وعدم الالتزام، لم ولن يصلا بذلك التقصير إلى الكفر، فالإحسان إليهما والأدب معهما أوجب.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هناك فرقاً واسعاً وبوناً شاسعاً بين حكم الله تعالى الذي بيَّنه في كتابه، وفي سنة نبيِّه - عليه الصلاة والسلام-، وبين رغبة الناس وهواهم.
ولا شك أن الإنسان المسلم يودُّ أن يكون الوالدان - بخاصة الوالد- على صورة من الدين والاستقامة، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، والولد المسلم مأمور بالإحسان إلى والديه ولو كانا - أو أحدهما- على صورة لا تسره.
ولا شك أن الوالدين حين يكونان على الدين والاستقامة، فإن مكانتهما تعظم في النفوس، والعكس صحيح، فلا يتساوى في نظر الناس حال الاستقامة والدين، مع حال الانحراف وقلة الدين. وهذا حس اجتماعي جميل ينبغي أن يحمد ويذكر، ولكن الله تعالى لم يجعل للوالد حقًّا على الناس الأباعد- في البر به، والإحسان إليه، ووجوب حسن صحبته ورعايته ولو كان غير ملتزم- كما جعله على ولده، فالموقف مختلف، والصورة متباينة، فلا يكون موقف الناس الأباعد هو نفس موقف الولد من والده، والله تعالى لم يجعل الولد مساوياً لوالديه بل جعله في درجة أقل، وذلك ما تدل عليه نصوص الهدي القرآني. قال زيد بن علي بن الحسين لولده: يا بنيَّ! إن الله تعالى لم يَرْضَك لي فأوصاك بي، ورَضِيَني لك فَحَذَّرني مِنك )) [1] ، يعني
(1) انظر: بر الوالدين للطرطوشي (107 - 108) . وبر الوالدين لابن الجوزي (33) .