فالعاقل لا يشمخ أو يتعالى على والديه أو أحدهما وبخاصة إذا أدرك مكانة علميّة أو مادية، أو وظيفيّة، فمال المرء، وعلمه ووظيفته له، ولكن الشارع يطالبه بحق والديه عليه، وذلك الحق واجب أداؤه، ولا علاقة لهذا الواجب بكون الوالد غنيًّا أو فقيراً، جاهلاً أو متعلماً، عاملاً في وظيفة صغيرة أوكبيرة. فهذا العالم الشهير النحرير أحد الأعلام الثقات حَيْوَة بن شُرَيح يُدَرِّس العلم وحوله طلاب العلم يستمعون إليه، تناديه أمُّه قائلة: قم يا حيوة، وألق الشعير للدجاج، فيقوم لذلك، ويطعم دجاجَ أمِّه، ثم يعود إلى التدريس لطلابه [2] .
إن بعض الناس قد يتطاول على قدر والديه ومكانتهما بمجرد حصوله على شيء من متاع هذه الدنيا الفاني، سواء كان ذلك الفاني رتبة أو شهادة عليا، أو مالاً، ولم يعلم هذا وأمثاله أن العلاقة بين الولد ووالديه هي علاقة شريفة عزيزة طاهرة بشرف وعزة وطهارة الوالدية التي رفع الله قدرها وأمر بتوقيرها وأداء حقوقها، فليست هذه العلاقة قائمة على الماديات أو تبادل المصالح، إنها أطهر من ذلك، وأرفع، وأعز، فليس الولد مأموراً بطاعة الوالدين والبر بهما في حال احتياجه لهما فقط، حتى إذا ما استغنى عنهما انتفش
(1) سورة الإسراء، الآية (24) .
(2) بر الوالدين للطرطوشي (79) .