تلك كانت صورة ولد بارٍّ بوالديه عرضها القرآن الكريم، وعرض في مقابلها صورة ولد عاقٍّ لوالديه جاحد لفضلهما، منكر لقدرة من خلقه على البعث. قال الله تعالى: ... [1] .
وهذه الصورة تبين نموذج الانحراف والفسوق والضلال مجسداً في ذلك التصرف الخشن والمتعجرف من ذلك الولد العاق الكافر الذي يتطاول في لؤم وخسة على والديه المؤمنين جاحداً لبرهما أول ما يجحد فيخاطبهما بالتأفف الجارح المؤذي لمشاعرهما الذي يدل على قسوة قلبه وتحجر عواطفه تجاههما قائلاً: ... غير مقدر لما تحدثه هذه الكلمة من جرح عميق في نفسيهما، فهما ينتظران منه ما يسرهما من رقيق الكلام وطيب المقال، ثم يجحد الآخرة والبعث بحجة واهية تافهة: ... أي ذهبوا ولم يعد أحد منهم. ولم يعرف هذا الغبي العاق الكافر أن (( قيام الساعة مقدر إلى أجله، والبعث جملة بعد انتهاء أجل الحياة الدنيا، ولم يقل أحد إنه تجزئة يبعث جيل مضى في عهد جيل يأتي، فليس الأمر لعباً، أو عبثاً، إنما هو الحساب الختامي للرحلة كلها بعد انتهائها ) ) [2] .
والوالدان المسلمان يريان الجحود، والعقوق، ويسمعان مقالة الكفر، فيفزعان مما يقول ولدهما العاق لربه ولهما، ويرتعش حسهما لهذا التبجح السافر، والتطاول الكافر من هذا الولد الكافر، ويهتفان به مستغيثين بالله: ... [3] ويبدو في حكاية قولهما الفزع من هول ما يسمعان بينما هو يصر على كفره ويلجُّ في جحوده قائلاً: ... [4] ، وهنا يعاجله الله تعالى بالمصير المحتوم الذي ينتظر أمثاله من الكافرين العادين على الوالدين، ومن كانت هذه حاله فهو من: ... [5] ، وذلك عقاب الله تعالى الذي ينال الجاحدين المكذبين وهم كثير خلت بهم القرون من الجن والإنس، حسب وعيد الله الصادق الذي لا يخلف ولا يتخلف، وأولئك هم الخاسرون، خسارة الإيمان واليقين في الدنيا، ثم خسارة الرضوان والنعيم في الآخرة، وأية خسارة أكبر من تلك الخسارة، ثم يلقون العذاب الأليم الشديد الذي يحق على الجاحدين
(1) سورة الأحقاف، الآيات (17، 18، 19) .
(2) في ظلال القرآن، المجلد السادس، الجزء (26/ 3263) .
(3) سورة الأحقاف، الآية (17) .
(4) نفس السورة والآية.
(5) سورة الأحقاف، الآية (18) .