فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 131

وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود - رضي الله عنه - الذي جاء جواباً لسؤال ابن مسعود - رضي الله عنه - بيَّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكانة البر بالوالدين وذلك من خلال مجيء ذكر هذا البر متوسطاً بين إقامة الصلاة وبين الجهاد في سبيل الله في حديثه - صلى الله عليه وسلم -، فإقامة الصلاة، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله لا تتم متيسرة للإنسان بين يوم وليلة، بل لا بد من الجهاد للنفس ومخالفتها وحملها على الصبر، والبذل، وذلك هو سبيل المؤمنين لا غيرهم، فهم الذين يقيمون الصلاة، وهم الذين يَبَرُّون بالوالدين وهم الذين يجاهدون في سبيل الله، ويبذلون نفوسهم وأموالهم مرضاة لله تعالى، والحديث النبوي يرسم صورة النجاح والتكامل والفلاح في الحياة، فهذه التكاليف الثلاثة تتكامل بها حياة المسلم تكاملاً عجيباً، فإقامة الصلاة نجاح في ميدان صلة العبد بربه، وهذه الصلة هي أساس ومنطلق لنجاح العبد في ميادين حياته كلها، وبر الوالدين نجاح في الميدان الاجتماعي الذي يبدأ بحسن الصلة والعلاقة بأفراده، وأول ذلك حسن الصلة بالوالدين.

والجهاد هو ذروة سنام الإسلام وعزته وهو الدرع الواقي لكرامة الأمة، وهو حماية لها، وبه تصلح حياتها، ومع مكانة الجهاد في الإسلام وشأنه وأثره في حياة الأمة إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدّم عليه برّ الوالدين، وذلك أمر مقصود في جوابه - صلى الله عليه وسلم - على سؤال ابن مسعود - رضي الله عنه: أي العمل أحب إلى الله عزوجل؟ فالترتيب ترتيب أفضلية، وهذا يدل عليه أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال: (( جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد ) ) [1] .

وذلك دليل على أن بر الوالدين أفضل من الجهاد الكفائي غير المتعين؛ لأن الجهاد غالباً ما يكون وقته محدداً، وبر الوالدين لا ينال إلا بدوام المجاهدة طول عمرهما، والجهاد المستديم أفضل من الجهاد المؤقت بوقت معين.

سابعاً: يلاحظ أنه ذكر الفعل المأمور به في جانب الأمر بعبادة الله تعالى، بينما حذف الفعل المأمور به في جانب الإحسان إلى الوالدين وهو (أحسنوا) وأقيم المصدر مقامه، وذلك لدلالة المصدر (إحساناً) على كثير الإحسان وقليله في سائر الأحوال والأوقات، ونكَّر المصدر للتعظيم فهو ليس إحساناً هامشياً وإنما هو إحسان عظيم قولاً، وفعلاً، وحالاً، إحسانٌ يتألق تقديراً واعترافاً للوالدين ورحمة بهما.

ثامناً: قدم ما حقه التأخير، ففي قوله تعالى ... [2] قدم الجار والمجرور على الفعل، إذ تقدير الكلام: وأحسنوا بالوالدين إحساناً. ولعل ذلك يقصد منه أمران:

أحدهما: تصدير لفظ الوالدين لاستثارة عطف الولد على والديه، فهو لفظ محبوب مُبَجَّل؛ لأنه يدل على التضحية والبذل والعطاء، ولذلك لم يرد في القرآن الكريم مورداً تنفر منه

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح (3/ 1094) رقم (2842) ، ومسلم في الصحيح (4/ 1975) رقم (2549) .

(2) سورة الإسراء، الآية (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت