فرصة قادمة، إن سمحت بذلك ظروف عملي، وربما كان والده في بلدة أو قرية لا تبعد سوى عشرات من الكيلومترات، ومع ذلك فهو يركب الصعب والذلول ويقطع مئات الكيلومترات عدة مرات من أجل زيارة إنسان لا يحبه قلبه ولكن مصلحته عنده. ونسي هذا وكثير مثله أن الله تبارك وتعالى جعل حق الوالدين في التمتع بمشاهدة ولدهما مقدماً على حقه جل وعلا في الجهاد في سبيله، فجعل لهما الحق في الإذن لولدهما في الخروج للجهاد الكفائي، ولو كانا كافرين كما قال الثوري وغيره [1] ، وذلك لأن خروجه للجهاد مظنة ذهاب روحه وموته فيفوت بذلك حقهما في التمتع بمشاهدته والأنس برؤيته، وإذا كان هذا حقهما في الإذن لولدهما في الخروج للجهاد الكفائي- والجهاد ذروة سنام الإسلام-، فإن اشتراط ذلك الإذن فيما سوى الجهاد من السفر للحج التطوعي أو للعمرة، أو لطلب العلم الذي يكون طلبه نفلاً، أو للتجارة التي يطلب فيها ربحاً زائداً [2] ، أو للسياحة يكون من باب أولى.
ومدار ذلك أن إذنهما مشروط فيما كان نفلاً وطاعتهما في ذلك مقدمة، وما كان مفروضاً على الولد طلبه، أو فعله، أو الوصول إليه، أو الحصول عليه، فإذنهما غير مشروط لذلك، ولا تجب طاعتهما، فما فرضه الله تعالى وأوجبه أولى وأقوى؛ لأن في ترك ما فرضه الله تعالى من أجل الوالدين
(1) تفسير القرطبي (10/ 240) .
(2) انظر: بر الوالدين لأبي بكر الطرطوشي (133) وما بعدها.