فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 119

في حالة الاعتداء على النفس وما دونها، أو بعض قضايا المجاملات الدولية كتبادل الهدايا والزيارات ونحو ذلك، فإنها تختلف من حيث مقدار الشيء المهدى به وطبيعته، وكذلك رتبة الشخص الزائر ونحو ذلك، وقد يتعذر التماثل من كل وجه، فيصار عندئذ إلى المشابهة في الغرض أي مقدار الضرر بحيث يكون متناسقًا مع الضرر الواقع، وتلك هي المقاربة كما هي الحال في جزاء الحروب مع الأعداء، فإن المشابهة التامة فيها متعذرة، إذ قد يلحق الضرر بأشخاص لم يصيبوا أحدًا بضرر، ويسلم أشخاص أصابوا الناس بضرر، ولهذا قالت العرب: الحرب غشوم؛ لأنها تنال غير الجاني [1] ، ومثل ذلك أيضًا أخذ مال الغال وتحريق متاعه ونحو ذلك [2] .

الضابط الثالث: أن المعاملة بالمثل لا تكون فيما كان جنسه محرمًا كالكذب والخيانة والشهادة بالزور، وكذا لو جرعه الخمر أو لاط به أو كذب أو افترى عليه فلا يجوز الرد عليه بذلك، ومثله لو كفّره أو فسّقه بغير حق لم يحل له أن يكفّره أو يفسّقه بغير حق [3] .

ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» [4] .

(1) انظر: عيون الأخبار، لابن قتيبة 1/ 127.

(2) انظر: المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية في الفقه والقانون الدولي العام، ص73.

(3) انظر: مجموع الفتاوى 28/ 281 - 382، السياسة الشرعية، ص206.

(4) أخرجه: أبو داود في سننه 9/ 327 برقم (3530) ، والترمذي في سننه 4/ 399 برقم (1282) والدارمي في سننه 2/ 343 برقم (2597) ، والبخاري في التاريخ الكبير 4/ 360، والطحاوي في مشكل الآثار 2/ 231، 232، والطبراني في المعجم الأوسط 4/ 363 برقم (3619) ، والدارقطني 3/ 35، والحاكم في المستدرك 2/ 46، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 271، كلهم من طريق طلق ابن غنام عن قيس بن الربيع وشريك بن عبدالله القاضي عن أبي الحصين الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة به.

قال الإمام أحمد:"شريك وقيس كانا كثيرا الخطأ في الحديث"، العلل المتناهية، لابن الجوزي 2/ 130، وقال أيضًا:"قيس بن الربيع ضعيف، وأهل العلم بالحديث لايحتجون بما تفرد به شريك لكثرة أوهامه"، معرفة السنن والآثار 7/ 283، وقال أبو حاتم:"حديث منكر لم يروه غير طلق بن غنام"العلل لابن أبي حاتم 1/ 375، وقال الطبراني في المعجم الأوسط 4/ 363: لم يرو هذا الحديث عن أبي حصين إلا شريك وقيس، تفرد به طلق"."

وقال البيهقي في السنن الكبرى 10/ 271، وحديث أبي حصين تفرد به شريك القاضي وقيس بن الربيع، وقيس ضعيف، وشريك لم يحتج به أكثر أهل العلم بالحديث، وإنما ذكره مسلم بن الحجاج في الشواهد"، وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر 3/ 97، والمقاصد الحسنة ص53، وهناك من أشار إلى تقوية الحديث."

-الترمذي قال بعد تخريجه الحديث:"حسن غريب"، وإن كان بعض أهل العلم لا يعتبر هذه العبارة من الترمذي تقويه للحديث، لأن الحسن عنده أدنى من الحسن في الاصطلاح الذي استقر بعده، لاسيما إذا قرن هذا الوصف بوصف"غريب".

-الحاكم حيث قال:"صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي كما في المستدرك 2/ 46، وقال الألباني في إرواء الغليل 5/ 381:"وفيه نظر فإن شريكًا وهو ابن عبدالله القاضي إنما أخرج له مسلم في المتابعات، ثم حديثه هذا مقرون برواية قيس، وهو ابن الربيع وهو نحو شريك في الضعف لسوء حفظه، فأحدهما يقوي الآخر".

-وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان 25/ 77:"وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوي حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف".

وفي تقريب التهذيب ص266:"شريك القاضي صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء، وفيه ص457 بقيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به".

وللحديث طرق أخرى منها:

ما أخرجه أبو داود في سننه 9/ 326 برقم (3529) ، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 270، وأحمد في مسنده 3/ 414 كلهم من طريق يوسف بن ماهك عن فلان عن أبيه.

قال البيهقي لما أخرجه:"في حكم المنقطع حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسم من حدثه ولا اسم من حدث عنه من حدثه".

قال المنذري في مختصر سنن أبي داود 5/ 185:"فيه راوية مجهول".

قال ابن حجر في التلخيص 3/ 97:"فيه مجهول، وقد صححه ابن السكن".

وقال الألباني في الإرواء 5/ 382:"رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم".

وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير 1/ 170، وابن عدي في الكامل 1/ 354، والدارقطني في سننه 3/ 35، والحاكم في المستدرك 2/ 46، والبيهقي في سننه الكبرى 10/ 271 كلهم من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

قال الطبراني لما أخرجه:"لم يروه عن أبي التياح يزيد بن حميد إلا عبدالله بن شوذب، تفرد به أيوب، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد".

وقال ابن عدي في الكامل 1/ 354:"إنما المشهور عن أبي الحصين عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأيوب ضعيف".

قال ابن القيم في إغاثة اللهفان 2/ 77:"وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف. فحديثه يصلح للاستشهاد به".

وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص53:"رجاله ثقات".

وأيوب بن سويد ضعفه كثيرون منهم ابن المبارك والإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم وابن عدي وغيرهم، انظر: تهذيب الكمال، للمزي 3/ 474، العلل المتناهية 2/ 103.

وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 35 من طريق محمد بن ميمون الزعفراني عن حميد الطويل عن يوسف بن يعقوب عن رجل من قريش عن أبي بن كعب - رضي الله عنه -.

قال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 103:"يوسف بن يعقوب مجهول، وفيه محمد بن ميمون، قال ابن حبان:"منكر الحديث لا يحل الاحتجاج به"."

وقال ابن حجر في التلخيص 3/ 17: في إسناده من لا يعرف.

محمد بن ميمون الزعفراني قال عنه في التقريب ص510:"صدوق له أوهام"، وفي التهذيب 9/ 428 عن البخاري والنسائي أنه منكر الحديث، ولينه أبو زرعة، وقال الدارقطني: ليس بشيء ووثقه ابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم لا بأس به.

وفي إسناد الحديث أيضًا رجل مبهم (رجل من قريش) فالحديث له أكثر من علة.

وأخرجه الطبراني أيضًا في المعجم الكبير 8/ 150 (7580) ، والبيهقي في معرفة السنن والآثار 7/ 484 كلاهما من طريق يحيى بن أيوب عن إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عن مكحول عن أبي أمامة - رضي الله عنه -.

قال البيهقي في السنن الكبرى 10/ 271، وفي معرفة السنن والآثار 7/ 484:"هذا ضعيف؛ لأن مكحولاَ لم يسمع من أبي أمامة شيئًا، وأبو حفص الدمشقي هذا مجهول".

وقال الحافظ في التلخيص 3/ 97:"فيه مقال".

وأما ابن القيم فقال في إغاثة اللهفان 2/ 77:"وإن كان فيه ضعف فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه"يعني الشواهد المذكورة"."

قال ابن حجر في التقريب ص100:"إسحاق بن أسيد فيه ضعف".

والحديث بجملته قال عنه الإمام الشافعي:"ليس بثابت عند أهل الحديث"انظر: سنن البيهقي 10/ 271، التلخيص الحبير 3/ 97.

وقال الإمام أحمد: حديث باطل لا أعرفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه صحيح، انظر:"القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص309، التلخيص 3/ 97، المقاصد الحسنة ص53."

وقال ابن ماجة:"له طرق ستة كلها ضعيفة". انظر: المقاصد الحسنة ص53، كشف الخفاء 1/ 75، وضعفه ابن حزم في المحلى 8/ 181، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 271، وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 102:"هذا الحديث من جميع طرقه لا يصح، ثم فصل فيها."

وأما ابن القيم في إغاثة اللهفان 2/ 77 - 78 فإنه لما ذكر طرقه وشواهده، قال:"فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يشد بعضها بعضًا".

وقواه أيضًا ابن دقيق العيد في الإلمام 2/ 453.

وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص53 عن طرقه:"بانضمامها يقوى الحديث"ورمز له السيوطي في الجامع الصغير 1/ 233 بالصحة.

وقال الشوكاني:"ولا يخفى أن ورود الحديث بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها -يعني الحاكم وابن السكن- وتحسين إمام ثالث منهم، يعني الترمذي مما يصير به الحديث منتهضًا للاحتجاج، انظر: نيل الأوطار 6/ 39ونحوه في السيل الجرار 3/ 146."

وصححه الألباني في الإرواء 5/ 382، والسلسلة الصحيحة برقم (424) بمجموع طرقه وشواهده.

وقال ابن اللحام في القواعد والفوائد الأصولية ص309:"واستدلاله (أي الإمام أحمد) بالحديث يدل على ثبوته، ولهذا جعلها القاضي رواية عنه بثبوت الحديث، وهو يخالف رواية مهنا عنه بإنكاره".

فالحديث مع أن الأئمة الكبار قد حكموا عليه بالضعف إلا أنه يمكن أن يكون صالحًا للاحتجاج. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت