الصفحة 18 من 54

فالإسلام دين الوسطية والاعتدال، لا إفراط ولا تفريط لا تشدد ولا تراخٍ، لا غلوَّ ولا تقصير: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال"جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِمْ فَقَالَ (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) " [1] .

والذين يرغبون عن الزواج باسم الرهبانية، إنما يعدلون إلي إرواء الشهوات بالارتماء في مستنقعات الرذيلة، والتمرغ في أوحالها باسم الرهبانية، وآخرون يرغبون عنه باسم التحرر من قيود الأسرة: هؤلاء ليسوا أعداء للزواج فحسب، وإنما هم أعداءٌ للفطرة، أعداءٌ للحرية أعداءٌ للفضيلة، ودعاةٌ للتخلفِ والرذيلةِ.

(1) - رواه البخارى في صحيحه واللفظ له عن أنس بن مالك، كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح {فتح البارى 9/ 5 ح 5063 ورواه الإمام مسلم في صحيحه عنه كتاب النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤنة [صحيح مسلم بشرح النووى 9/ 175 ورواه الإمام البيهقى في السنن ك النكاح باب الرغبة في النكاح 7/ 77.وقال ابن حجر المراد بالسنة: الطريقة لا التى تقابل الفرض، والرغبة عن الشئ الإعراض عنه إلى غيره، والمراد فمن ترك طريقتى وأخذ بطريقة غيرى فليس منى، ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى في سورة الحديد وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ 27} وقد ذمهم بأنهم ما وفوا بما التزموا، وطريقة النبى - صلى الله عليه وسلم - هى الحنفية السمحة فتح البارى 9/ 7، بتصرف يسير، فالزواج إذا سنة فطرية، وتركه انحراف عن الفطرة السليمة وزيغ عن الطبيعة المستقيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت