الزواج مودة ورحمة
لقد أنعم الله علينا وأحسن إلينا إذ شرع الزواج، ولطف بنا إذ جعل الأزواج من جنس واحد حتى تتحقق الألفة والمجانسة والمتعة والمؤانسة، والسكينة والطمأنينة، والمودة والرحمة، لأن الجنس إلى الجنس أميل وأدعى للألفة، فكل إلف يلوذ بأليفه ويسكن إليه.
قال تعالى في سورة الروم {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } ... [الروم: 21]
فمن دلائل قدرته وتمام نعمته وآثار حكمته ورحمته: أن جعل لكم أي من أجلكم أزواجا أي بالزواج الشرعي يقترن الرجل بالمرأة ويعاشرها، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا) 000"ولو أنه تعالى جعل بنى آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر غير جنسهم لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج بل كانت تحصل لهم نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببنى آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم" [1] .
قال ابن عاشور:"وهي آية تنطوي على عدة آيات منها: أن جُعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جُعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا أو مهلكًا كتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة" [2] .
(1) - تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير 3/ 429 باختصار
(2) - التحرير والتنوير لابن عاشور 11/ 57