الصفحة 6 من 54

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ - رضي الله عنه:"أنّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أَنّ النّكَاحَ كانَ في الْجَاهِلِيّةِ عَلَى أرْبَعَةِ أنْحَاءَ، فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرّجُلُ إلَى الرّجُلِ وَلِيّتَهُ فَيَصْدقُهَا ثُمّ يُنكِحُهَا، وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أرْسِلِي إلَى فُلاَنٍ فاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أبَدًا حَتّى يَتَبَيّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرّجُلِ الّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيّنَ حَمْلُهَا أصَابَهَا زَوْجُهَا إنْ أحَبَّ، وَإِنّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً في نَجَابَةَ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النّكَاحُ يُسَمَّى نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أنْ يَمْتَنِع حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا فَتَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الّذِي كَانَ مِنْ أمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ، فَتُسَمِّي مَنْ أحَبَّتْ مِنْهُمْ باسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَنِكَاحٌ رَابِعٌ يَجْتَمِعُ النّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرأَةِ لاَ تَمْتَنِعُ مِمّنْ جَاءَهَا، وَهُنّ الْبَغَايَا كَُنّ يَنْصِبْنَ عَلَى أبْوابِهِنّ رَايَاتٌ كُنّ عَلَمًا لَمِنْ أرَادَهُنّ دَخَلَ عَلَيْهِنّ، فَإِذَا حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةُ ثُمّ ألْحَقُوا وَلَدَها بالّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَهُ وَدُعِيَ ابْنُهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمّا بَعَثَ الله مُحمّدًا - صلى الله عليه وسلم - هَدَمَ نِكَاحَ أهْلِ الْجَاهِلِيّةِ كُلَّّهُ إِلاّ نِكَاحَ أهْلِ الإسْلاَمِ الْيَوْمَ". [1]

هذا: ولقد ظهرت صورٌ مبتدعةٌ للنكاحِ لا تتحقق من خلالها مقاصده السامية وحكمه الجليلة، بل تضيِّعُ الحقوقَ وتقتلُ المروءاتِ وتجافي الفطرة السوية، وتنحرف بالزواج عن مقاصده السامية إلى طرقٍ ملتوية ومسالك معوجّةٍ، مثل زواج المسيار [2] ، والزواج الأبيض [3] ، والزواج السياحي [4] ، والزواج

(1) - صحيح البخاري كتاب النكاح - باب من قال: لا نكاح إلا بولي - الحديث رقم: 4834 - ورواه أبو داود في السُنَنُ - أبواب الطلاق - باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية - الحديث رقم: 2272 وقوله (فيصدقها) يجعل لها مهرا معينا. (طمثها) حيضها، (فاستبضعي منه) اطلبي منه المباضعة وهي المجامعة، مشتقة من البضع وهو الفرج. (يمسها) يجامعها، (الرهط) ما دون العشرة من الرجال. (يصيبها) يجامعها. (البغايا) جمع بغي وهي الزانية. (رايات) ترفع على بيوت البغايا. (علما) علامة. (القافة) جمع قائف وهو الذي ينظر في الملامح، ويلحق الولد بمن يرى أنه والده. (فالتاط به) فالتحق به والتصق، (هدم) أبطل

(2) - زواج المسيار زواج مستكمل للأركان والشروط المتعارف عليها عند جمهور الفقهاء، من تراضي الزوجين وحضور الولي والشهود، ونحو ذلك، ولكنه يتضمن تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشرعية باختيارها ورضاها، مثل النفقة والقسم، والعقد فيه صحيح، ولكن هذا الزواج مخالف لكثير من الحكم والمقاصد التي أرادها الشارع من الزواج، سمي بذلك لأن الرجل يسير إلى المرأة، أي إلى بيتها في أوقاتٍ معينة ولا يمكث عندها طويلا، وقيل في تعريفه: هو ا لزواج المستكمل لجميع شروطه وأركانه، فهو زواج يتم بإيجاب وقبول، وبشرطه المعرفة، إلا أن الزوجين قد اتفقا على ألا يكون للزوجة حق المبيت ولا الحقوق المالية؛ وإنما الأمر راجع للزوج متى رغب في الزيارة في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة، فله ذلك، ولعل هذا ما كان يعرف في أيام الحسن البصري رحمه الله بزواج النهاريات. (مجلة الأسرة، العدد 467) .

(3) - هو نوعٌ من أنواع الحيل التي يلجأ إليها بعض الشباب خاصةً من المغاربة، رغبة منهم في العيش إلى بلدان أوروبا وأمريكا، فيبحث الشاب أو الفتاة على شريك حياة"صوري"، ويتم العقد بين الطرفين مقابل مبلغ من المال يعطى للطرف المقيم بأوروبا أو أمريكا ثم يتم الطلاق بعد الحصول على وثائق الإقامة في ديار الغربة، وربما لجأت الفتاة المسلمة إلى مثل هذا الزواج من نصراني أو لجأ الشاب المسلم إلى الزواج من نصرانية لتحقيق هذا المأرب، بجهل أو تجاهلٍ لحرمة وبطلان زواج المسلمة من الكافر، وهذا الزواج الذي يسمى أبيض وهو في الحقيقة أسود زواجٌ باطل إذا كان لمجرد الحصول على تأشيرة أو إقامة في بلاد الغرب.

(4) - يلجأ إليه بعض السياح في البلاد الأخرى، حيث يعرض عليهم الزواج المؤقت مدة إقامتهم في البلد السياحية فيزوجون من فتيات قد احترفن مهنة الزواج من السياح مدة إقامتهم، فإذا انتهت المدة طلقن، وربما استأنفن الزواج بآخرين دون الالتزام بعدة المطلقة، وهذا الزواج شبيه بزواج المتعة لا فرق بينهما إلا من جهة أن زواج المتعة ينص في العقد على توقيته بمدة معينة، امام زواج السياحة فالنية مبيتة وإن لم ينص عليها في العقد وهذا الزواج هو ظلم بيِّن للمرأة أولا فوق أنه مفرَّغٌ من مقاصد الزواج السامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت