عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ «إِخْ إِخْ» . لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّى قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لأَرْكَبَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَىَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ يَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي [1] .
وفي هذا الحديث: فالمرأة تقف بجوار زوجها تساعده في حقله، والرجل يساعد المرأة في شئون البيت، والجارة تكفي جارتها بعض الأعمال، والمجتمع يقف مع المرأة، ويمد لها يد العون، ويراعي ما جبلت عليه من حياء وخجل، والمرأة تراعي مشاعر زوجها، والرجل يشفق على زوجته، والأب يتفقد أحوال ابنته المتزوجة، ويسعى إلى التخفيف عنها ما أمكنه ذلك، نماذج رائعة تتجلى لنا من خلال هذا الحديث: الزوجة الصالحة التي تبذل ما في وسعها لرعاية زوجها وبيتها، الجيران الصادقون المتعاونون، المجتمع الذي تسوده المروءة والشهامة، والزوج الغيور المشفق على أهل بيته، والأب الذي لم تنته مهمته مع ابنته بزواجها بل يتفقد أحوالها ويسعى لتوفير سبل الراحة لها، وفي هذا الجوِّ الإيماني وجدت المرأةُ الأمنَ والأمانَ، والسعادة والطمأنينة، والحب الصادق: بيت صالح، وزوج كريم، وأب حنون، وجيران صدق، ومجتمع متراحم متعاطف.
من أعظم حسنات الدنيا.
(1) - رواه البخاري في صحيحه كتاب النكاح باب: الغيرة 3/ 403 - الحديث رقم: 4926 ورواه مسلم في صحيحه كتاب السلام باب: جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق 4/ 1716 حديث رقم: (2182) ، وقولها: (مملوك) من عبد أو أمة. (ناضح) بعير يستقى عليه. (أخرز) من الخرز وهو خياطة الخلود ونحوها. (غربة) الدلو الكبير. (سياسة الفرس) ترويضها وتدريبها. ردٌ على من يستهين بعمل المرأة في بيتها ويستخفُّ به ويقلل من قيمته، ودليل على ما تحلّى به هذا المجتمع النبوي من تراحم وتعاطف وتعاون وتكافل،