وقال ابن عطية:"واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما وتلازمهما بذلك ... وقال مجاهد والسدي: {لباس} : سكن، أي يسكن بعضهم إلى بعض" [1] .
يقول الأستاذ محمد قطب"والرجل والمرأة ألصق شئ بعضهما لبعض، يلتقيان فإذا هما جسد واحد وروح واحدة، وفي لحظة يذوب كل منهما في الآخر، فلا تعرف لهما حدود، وهما أبدا يهفوان إلي هذا الاتصال الوثيق الذي يشبه اتحاد اللباس بلابسه، ثم هما ستر، كل واحد للآخر، فهما من الناحية الجسدية ستر وصيانة، وهما على الدوام ستر روحي ونفسي، فليس أحد أستر من الزوجين المتآلفين، يحرص كل منهما على عرض الآخر وماله ونفسه وأسراره أن ينكشف منها شئ فتنهبه الأفواه والعيون، وهما كذلك وقاية تغني كل منهما عن الفاحشة وأعمال السوء، كما يقي الثوب لابسه من أذى الهاجرة والزمهرير، وهما بعد ذلك كاللباس في تفصيله مضبوطا على القد، يلبسه صاحبه فيستريح، ويتحرك نشيطًا في محيطه، ويكتسب به جمالًا وزينة تعجب صاحبها وتعجب الناظرين، فليس أبدع من تصوير هذه المعاني كلها في تشبيه واحد شامل عميق."
وإذا كانت العلاقة بين الرجل والمرأة وثيقة إلي هذا الحد، فقد وجب أن يلتقيا ليكون كل منهما لباسا لصاحبه، يزينه ويكمله، ويلتصق به للوقاية والستر" [2] ."
ولكلٍّ من الزوجين مسئولياته ومهامه التي تسيِّر موكب الحياة الزوجية، وتحفظ للأسرة قوامها ودوامها، والزوجة شريكة لزوجها في الحياة حلوها ومرّها، تفرح لفرحه وتحزن لحزنه وتواسيه في النوائب وتعينه على مجابهة المصاعب.
وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قَالَتْ تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ في الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلاَ مَمْلُوكٍ، وَلاَ شَيءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ، وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِى الْمَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ التي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَأْسِي، وَهْىَ مِنِّى
(1) - المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 205
(2) - الإنسان بين المادية والإسلام تأليف الأستاذ محمد قطب ص 249