وقال أبٌ معبِّرا عن عاطفته نحو أبنائه
وإنما أولادُنا أرواحُنا ... أكبادُنا تمشِي على الأرضِ
إن هَبَّت الريحُ على بَعْضهم ... لامتنعت عيني مِنَ الغَمْض
تلك العواطف ما كانت لتنبت وتنمو نباتًا حسنا ونماء طبيعيًا، ما كانت لتأجج وتستعر، ما كانت لتتدفق وتنهمر: إلا بالزواج فهو السبيل إلي إشباعِ هذه العواطف ونموِّها الطبيعي في رحاب الإسلامِ دين الفطرةِ السويَّةِ الذي جاء بما ينميها ويهذبها ويرقى بها.
يقول صاحب الظلال:"00 والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين، وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة، ولكنهم قلَّما يتذكرون يدَ الله التى خلقت لهم من أنفسهم أزواجا، وأودعت نفوسَهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش وأنسا للأرواح والضمائر واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء، والتعبير القرآنى اللطيف الرقيق يصور هذه العلاقة تصويرًا موحيًا، وكأنما يلتقط صورة من أعماق القلب وأغوار الحس {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو موافقٍ للآخر، ملبٍّ لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويجد في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة، لأن تركيبهما النفسى والعصبي والعضوى ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد 000) [1] ."
حرص الإسلام على إشباع هذه العاطفة الإنسانية وإروائها من بحر الزواجِ.
ولا أدلَّ على ذلك من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لم نَرَ) وفي رواية (لم يُرَ) (لِلْمُتَحَابَّينِ مِثْلَ النِّكَاحِ) . [2] .
(1) - في ظلال القرآن 5/ 2763.
(2) - حديث صحيح: رواه ابن ماجة في السنن كتاب النكاح بَاب ما جاء في فضل النكاح 2/ 853 الحديث رقم: 1847 وقال البوصيري فِي الزَوائِد: إسناده صَحِيْح ورجاله ثقات. ورواه الحاكم في المستدرك عنه كتاب النكاح 2/ 174 حديث 2677 و قال"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه لأن سفيان بن عيينة ومعمر بن راشد أوقفاه عن إبراهيم بن ميسرة على ابن عباس"، وقال الذهبي في التلخيص"رواه معمر وابن عيينة عن إبراهيم موقوفا"، ورواه البيهقي في السنن عنه في النكاح 13835 ورواه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 17 حديث 10895 وفي الأوسط 3/ 282 حديث 3153 ورواه ابن النجار بسنده عن جابر رضي الله عنه ونصه عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله عندنا يتيمة خطبها رجلان موسر ومعسر، وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لم يُرَ للمتحابَّين مثل النكاح. (ابن النجار) .كما في كنز العمال 16/ 690 حديث 45597 وفي البيان والتعريف 2/ 166 حديث 1385، قال"سببه أخرج أبو علي الحسن بن شاذان في مشيخته وابن النجار في تاريخ بغداد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله عندنا يتيمة قد خطبها رجلان موسر ومعسر وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ير للمتحابين مثل النكاح"وأورده السيوطي في كتابه أسباب ورود الحديث 1/ 155 وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة 2/ 196 حديث 624 وقال حديث صحيح.