من بيت مال المسلمين وعيالُه، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام. فإنْ خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقةُ على عيالهم )) (31) .
وكتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى عامله على البصرة - عديّ بن أرطاة - يقول: (( وانظر مَنْ قِبَلَك من أهل الذمّة قد كَبُرَتْ سنُّه، وضَعُفَتْ قوَّته، وولَّت عنه المكاسب، فأَجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ) ) (32) .
ب ـ وفي القانون الواجب التطبيق في القضاء عندما يترافع الذميون إلى القاضي المسلم في المعاملات وغيرها: تقرَّرت القاعدة في عهد الخلفاء الراشدين أن يكون لأهل الذمَّة الخيار بالاحتكام إلى القضاء الشرعيّ، وفقًا للآية الكريمة: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [سورة المائدة: الآية 42] .
فعليه إذا احتكم أهلُ الذمة إلى القضاء الشرعيِّ، وجب الحكم بينهم بالعدل حسب الشريعة. وفي الواقع كانوا ينزلون على حكم النبي - - - في حياته - كما تقدم - وفي زمان أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وإنما لم يُعرف أنَّ عليًّا وعثمان - رضي الله عنهما - حكما في شيء بينهم في الشام و العراق واليمن ومصر (33) .
وقد روي أنَّ عمر الفاروق - رضي الله عنه - نظر في قضية بين مسلمٍ ويهوديٍّ، ورأى الحقَّ في جانب اليهودي، فقضى له. وروي أن الإمام عليًّا - رضي الله عنه - حكم على مسلم بعقوبة الحدِّ، لأنه زنى بنصرانيةٍ، ورفع النصرانيةَ إلى أهل دينها. وكان يقول: إذا تحاكم مسلمٌ مع ذميٍّ، وجب الحكم بينهما بالعدل، لوجوب حفظ الذميِّ من ظلم المسلم، وحفظ المسلم منه (34) .
جـ ـ وفي إخلال الذميين بشروط عقد الذمة: قضى عمر الفارق - رضي الله عنه - على ذميٍّ استكره مسلمةً على الزنا، بأنه خالف العهد، وأمر بصَلْبِه في بيت المقدس، قائلًا له: (( ما على هذا صالحناكم ) ) (35) .
د ـ وفي أثر اختلاف الدين في الميراث: قضى الخلفاء الراشدون بأن لا يرث مسلمٌ كافرًا، ولا كافرٌ مسلمًا، كما ورد عن النبيِّ - - - فلم يرث عليُّ بن أبي طالب، ولا أخوه جعفر، من أخويهما عَقِيْلٍ وطَالبٍ، لأن هذين كانا كافرَين. و لكنْ روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ورَّث المسلمَ من الكافر، و لم يورِّث الكافرَ من المسلم.
أما توارثُ غير المسلمين فيما بينهم، فقد اختلف فيه؛ فاعتبر الإمام علي - رضي الله عنه - أنَّ غير المسلمين مِلَلٌ مختلفةٌ، فلا يرثُ بعضُهم بعضًا إذا اختلفت مِلَلُهم. وكذلك قضى الفاروق عمر وعثمان - رضي الله عنهما - أن اليهودية أو النصرانية إذا توفيت يَرِثُها أهلُ دينها.