الصفحة 9 من 38

لضربتُ أعناقَكما )) وفي لفظ آخر: (( لو كنتُ قاتلًا وفدًا لقتلتُكما ) ) (25) .

ثانيًا: في عهد الخلافة الراشدة:

الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - هم الذين خلَفوا النبيَّ - - - في قيادة الأمَّة، ووضعوا أُسس الدولة وقواعدَ الفقهِ والقضاء الأساسيّةَ؛ فكان دَوْرُهم في التشريع: تدعيمَ بنائه بالتفريع والتَّوسيع، وزيادةَ أدلَّته بالاجتهاد، عن طريق الإجماع والرَّأي عند الضرورة.

وقد اتَّبع الخلفاءُ الراشدون سنَّة النبيِِّ - - - الشريفةَ، ومنهج سيرتِه، في تدبير مصالح الأمَّة الدينية والدنيوية. فكانت حياتهم مرآةً لأفضل الفضائل؛ فامتازوا بزهدهم وعفَّتهم، وعدلهم ونزاهتِهم، واتَّصفوا في الحكم بالاستقامة، والاعتدالِ بين الحزم واللِّين، حسب مقتضيات السياسة الشرعية، فلهذا لُقِّبُوا بالخلفاء الرَّاشدينَ (26) .

وحسْبُنا في هذا المقام الإشارة إلى بعض الأقضية في بعض الوقائع والقضايا التي حكم فيها الخلفاء الراشدون لبيان مدى خضوع غير المسلمين للقضاء الإسلامي في هذا العهد الزاهر.

أ ـ ففي القاعدة العامة في مركز الذميين: لم يفرِّق الخلفاء الراشدون في المعاملة بين أهل الملَّة المسلمين وبين أهل الذمَّة، ومثال ذلك: أن عمر - رضي الله عنه - لما قَدِم محلَّة الجَابِيَةِ من أرض الشَّام، مرَّ بقوم مَجْذومِيْنَ من النَّصارى، فأمر بأن يُعْطَوا من الصدقات، وأن يُجرَى عليهم القوتُ من بيت مال المسلمين (27) .

وأخرج أبو يوسف القاضي عن أبي بكر العنسي قال: مرَّ عمر بنُ الخطاب - رضي الله عنه - بباب قومٍ وعليه سائلٌ يسأل، شيخٌ كبير ضرير البصر، فضرب عَضُدَه مِنْ خلْفه وقال: من أيّ أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهوديٌّ. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: اسألُ الجزيةَ والحاجةَ والسنَّ. قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فَرَضَخَ له بشيء من المنزل (28) ، ثمَّ أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضُرَبَاءَه، فوالله ما أنْصَفْناه أنْ أكلنا شبيبته ثمَّ نخذله عند الهرم إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [سورة التوبة: الآية 60] والفقراءُ هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب. ووضع عنه الجزيةَ وعن ضربائه. قال أبو بكر: أنا شهدتُ ذلك من عمر ورأيت ذلك الشيخَ.

وهناك أيضًا واقعة أخرى شبيهة بهذه للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

وجاء في صلح خالد بن الوليد - رضي الله عنه - لأهل الحِيْرَةِ لما عقد لهم وصالحهم في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه: (( وجعلتُ لهم: أيّما شيخ ضَعُفَ عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دِينه يتصدّقون عليه، طُرِحتْ جزيتُه وعُيِّل(30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت