ونعالج البحث - إن شاء الله تعالى - بطريقة علمية، تنهج منهجًا وصفيًا استقرائيًا مقارنًا، كما تعتمد المنهج التاريخي، وبذلك تتكامل أنواع المنهج في الدراسة الجامعية. فهو منهج وصفي يستند إلى التحليل باستقراء الجزئيات وتصنيفها وترتيبها، مع التوثُّق والتأكد من صحة نسبة الأقوال، وما يكتنفها من شروح وتفسيرات. وهو أيضًا منهج استنباطي يستخدم القواعد الأصولية واللغوية، وينطلق من الجزئيات إلى الحقائق العامة، وهو منهج مقارن يقابل الآراء والأقوال ببعضها ويوازن بينها، كما يوازن بين الأحكام الفقهية وما عليه العمل في بعض التشريعات والقوانين المعاصرة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، ومنه نستمد العون والتوفيق والسداد.
جعل الله - سبحانه وتعالى - رسالةَ نبيِّنا محمدٍٍ - - - رسالةً خاتمةً، تهدفُ إلى ردِّ البشرية كلِّها إلى الله تعالى والخضوع لدِيْنِه، ليكون ذلك سبيلًا إلى تحريرها حريةً حقيقية كاملةً، حينما تتحرَّر من كلِّ عبوديةٍ لغير الله تعالى؛ فانقسم الناسُ عندئذ قسمين: فمنهم من فتح قلبَه وعَقْلَه للهدى والنور، فآمنَ بالرَّسول - - - وصدَّق بما جاء به من عند الله تعالى، ومنهم من أغلقَ قلبَه وعقلَه، وجعل على بصرِه غشاوةً، فكفر وكذَّب؛ فكانوا بذلك فريقين اثنين: ? ? عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ [سورة الأعراف، الآية 30] ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [سورة محمد، الآية 3] .
وعندما كتب اللهُ - تعالى- النصرَ لنبيِّه - - - وأظهر دينَه على الدِّين كلِّه، أصبح للمسلمين دولةٌ تضمُّ جميع المؤمنين بالله - تعالى- الموحِّدينَ له، ترفرف عليها رايةُ التوحيد، وتقيمُ الحقَّ والعدلَ بين الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقِسْطِ. لم يكن من أهدافها العلوُّ في الأرض ولا مجرَّدُ بسطِ السيطرة والنفوذ، ولا إكراهُ الناس على الدين، فتركتْهم وما يختارون، عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة أحكامِه، بعد أن أزاحتِ العقباتِ من طريق الدعوة الإسلامية، وخلَّت بينها وبين الناس ليختاروا - عندما يكون لهم الاختيار - عن طواعيةٍ وإرادةٍ.
وأقام الإسلامُ قواعدَ العلاقاتِ بين الناس على افتراض أنهم إمَّا مؤمنون، وإمَّا معاهَدون، وإمَّا لا عهد لهم. وفي هذا يقول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-: (( كان المشركون على منزلتين من النبي- - - والمؤمنين، كانوا مُشْرِكي أهلِ حربٍ يقاتلُهم ويقاتلونَه، ومُشْركي أهلِ عهدٍ لا يقاتلُهم ولا يقاتلونَه ) ) (2) .