الصفحة 4 من 38

ويقول ابن قيِّمِ الجوزيَّة - رحمه الله: (( فاستقرَّ أمر الكفار معه - - - بعد نزول سورة براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهلِِ عهدٍ، وأهل ذمّة. ثمَّ آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمٌ مؤمنٌ به، ومُسالمٌ له آمِنٌ، وخائفٌ محاربٌ ) ) (3) .

أ - أمَّا المسلمون المؤمنون: فهم المعترفون بما جاء به النبي - - - والمصدِّقون بكل ما أخبر به. وصفَهم الله تعالى في كتابه الكريم، وحدَّد سِمَاتِهم فقال: الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) [سورة البقرة، الآيات: 1 - 5] .

والمسلمون أينما كانوا إخوةٌ في العقيدة والجنسيَة، غير أنَّ أحكام الإسلام الدنيوية لا نفاذ لها في غير دار الإسلام، ولهذا اختلفت أحكام الدَّارين، دار الإسلام ودار الحرب، من هذه الناحية كما هو موضَّح في أبواب متعدِّدة من كتب الفقه؛ كأبواب النكاح والطلاق والوصية والإرث والسِّيَر (4) . وأمَّا الأحكام الدينية من حيث أجزيتها الأُخروية: فالمسلم خاضعٌ لها حيثما حلَّ، وهو مسؤولٌ عنها أمام من لا تخفى عليه خافيةُ (5) .

ب - أمَّا المسالمون الآمنون، فهم غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام، أو الدولة الإسلامية، إقامةً دائمةً أو مؤقتةً، على أساس عقد الذمّة أو عقد الأمان، ويدخل فيهم أهل الموادَعَةِ وهم من أهل الحرب والكفر (6) . وقد أفردت لهم الشريعة الإسلامية معاملةً خاصة لا يمكن إدراكُ مستواها الأخلاقيِّ السّامي إلا عند موازنتها بمعاملة الأجانب في مختلف النّظُم التي سبقتْ دعوةَ الإسلام التي بعث الله تعالى بها نبيَّه محمدًا - - - أو النظم التي عاصَرَتْهَا، أو تلك التي جاءت تاليةً لها.

وغير المسلمين هؤلاء أصنافٌ متنوعة من حيث علاقتهم بالمسلمين، ولذلك يقول ابن قيِّم الجوزيَّة: (( الكفار؛ إما أهلُ حربٍ وإما أهلُ عهد. وأهلُ العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. ولفظ (( الذمّة والعهد ) )يتناول هؤلاء كلَّهم في الأصل. وكذلك لفظ (( الصلح ) )؛ فإن الذمّة من جنس لفظ العهد والعقد ... وهكذا لفظ (( الصلح ) )عامٌّ في كل صلح، وهو يتناول صُلْحَ المسلمين بعضِهم مع بعضٍ، وصلْحَهم مع الكفار.

ولكنْ صار - في اصطلاح كثيرٍ من الفقهاء - (( أهلُ الذمّة ) )عبارةً عمَّن يؤدِّي الجزية. وهؤلاء لهم ذمَّة مؤبَّدة، قد عاهدوا المسلمين على أن يجريَ عليهم حكم الله ورسوله؛ إذْ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف (( أهل الهدنة ) )فإنهم صالحوا المسلمينَ على أن يكونوا في دارهم، لا تجري عليهم أحكام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت