وقال الحنابلة: إذا تحاكم إلينا مسلمٌ مع ذمي: وجب الحكم بينهم، لأنَّ علينا حِفظَ الذميِّ من ظلم المسلم، وحِفظَ المسلم منه.
وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض: خُيِّر الحاكم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، فإن حكم بينهم لم يحكم إلا بالإسلام، وإذا استعدتِ المرأةُ على زوجها في طلاق أو ظهار أو إيلاء: فإن شاء حكم لها وإن شاء تركها، فإنْ حضر زوجُها: حكم عليه بما يُحْكم على المسلم في مثل ذلك (50) .
ويُقَرّ أهل الذمّة على الأنكحة الفاسدة بشرطين:
(أحدهما) : ألا يتحاكموا إلينا، فإن تحاكموا إلينا لم نقرّهم على ما لا مساغ له في الإسلام.
و (الثاني) : أن يعتقدوا إباحةَ ذلك في دينهم، فإن كانوا يعتقدون تحريمه وبطلانه: لم نقرّهم عليه، كما لا نقرُّهم على الربا وقَتْلِ بعضِهم بعضًا وسرقةِ أموال بعضهم. وقد رجم رسولُ الله - - - اليهوديين لما زنيا (51) .
تطبَّق القوانين الإسلامية على المستأمَنين فيما يتعلق بالمعاملات المالية باتفاق العلماء، فإنَّ المستأمن يُمنع من التعامل بالربا لأن ذلك محرّم في القوانين الإسلامية، وكلُّ بيوعه ومعاملاته يطبق عليها النظام الإسلامي لأنه يتعامل مع المسلمين- كما تقدم قبل قليل - وحتى لو كان يتعامل مع الذميين والمستأمنين فإنه خاضع للأحكام الإسلامية لا يُحْكم بغيرها، لأن السيادة للدولة الإسلامية مفروضةٌ على كلِّ رعاياها.
وفي خضوع المستأمَن للقضاء الإسلامي وتطبيق الأحكام عليه يفصِّل الفقهاء ويميزون بين ما إذا كان موضوع الدعوى أو الحكم يتعلق بالمعاملات المالية أو الدعاوى الجنائية من جهة، وبين ما كان من ذلك واقعًا في دار الحرب من جهة أخرى، وما إذا كانت تتعلق بواقعة في دار الإسلام.
وهذه الحالات تتلخص في ثلاث نعرضها من خلال أقوال العلماء.
أَوْفَى فقهاءُ الحنفية على الغاية في الإبانة عن حكم الحالات الثلاث التي أشرنا إليها. وهي:
(الحال الأولى) : إن كان موضوع الدعوى من المعاملات المالية والجنايات قد جرَتْ