التفريق بين ما كان حقًا لله وما كان حقًا للعبد، فقال: (( إذا خرج أهل دار الحرب إلى بلاد الإسلام بأمانٍ فأصابوا حدودًا، فالحدود عليهم وجهان: فما كان منها لله لا حقَّ فيه للآدميين، فيكون لهم عَفْوُه وإكذابُ شهودٍ شهدوا لهم به، فهو معطَّل لأنه لا حقَّ فيه لمسلم، إنما هو لله. ولكن يقال لهم: لم تؤمَّنوا على هذا، فإن كففتم وإلا رددنا عليكم الأمان وألحقناكم بمأمنكم. فإن فعلوا ألحقوهم بمأمنهم ونقضوا الأمان بينهم وبينهم. وكان ينبغي للإمام إذا أمَّنهم ألاّ يؤمِّنهم حتى يعلمهم أنهم إن أصابوا حدًا أقامه عليهم.
وما كان من حدٍّ للآدميين: أقيم عليهم. ألا ترى أنهم لو قتلوا قتلناهم؟ فإذا كنا مجتمعين على أن نقيد منهم حدَّ القتل لأنه للآدميين، كان علينا أن نأخذ منهم كلَّ ما كان دونه من حقوق الآدميين، مثل القصاص في الشجَّة وأَرْشها، ومثل الحد في القذف.
والقول في السرقة قولان: أحدهما أن يقطعوا ويغرموا، مِن قِبَل أنّ الله عزَّ وجلَّ منع مال المسلم بالقطع، وأن المسلمين غرَّموا من استهلك مالًا غير السرقة. وهذا مال مستهلكٌ فغرّمناه قياسًا عليه. والقول الثاني: أن يغرم المال ولا يقطع، لأن المال للآدميين والقطع لله )) .
ثمَّ بيَّن سبب التفريق بين النوعين من الحدود فقال رحمه الله: (( فإن قال قائل: فما فرقٌ بين حدود الله وحدود الآدميين؟ قيل: أرأيت الله عزَّ وجلَّ ذكر المحارب وذكر حدَّه ثمَّ قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [سورة المائدة، الآية 34] . ولم يختلف أكثر المسلمين في أن رجلًا لو أصاب لرجلٍ دمًا أو مالًا ثمَّ تاب أُقيم عليه ذلك. فقد فرَّقنا بين حدود الله -عزَّ وجلَّ- وحقوق الآدميين بهذا و بغيره ) ) (63) .
ولذا قال فقهاء الشافعية: إذا سرق المستأمن مالًا من مستأمن آخر، فلا يقام عليه الحدُّ، لأن كُلاًّ منهما لم يلتزم أحكام الإسلام، وأما إن سرق من مسلم أو ذميِّ: فإنه لا يقام عليه الحدُّ أيضًا؛ لأن في ماله شبهة الإباحة.
وكما أن أبا حنيفة لا يرى إقامةَ الحدِّ إذا كان فيه قتل للرسول (السفير أو المبعوث السياسي) ، فإن الشافعية أيضًا قالوا: (( لا يجوز قتل رسول الكفار ) ) (64) .
تقدم آنفًا أن المستأمن إذا قتل مسلمًا أو ذميًا فإنه يُقْتَصُّ منه بإجماع العلماء، ويُقتل المستأمَن بقتلِ مستأمنٍ مثله عند الحنابلة.
وأما في الزنا: فإن كان بمسلمة أو ذمية؛ فلا يقام عليه الحد، لأنه نقض العهد بذلك، فوجب قتله ولا يجب مع القتل حدٌّ سواه.