الصفحة 6 من 38

وبعد هذه الإيماءة إلى أصناف الناس في العالم وأصل هذا التصنيف، نعقد المباحث الأربعة التالية لبيان مدى خضوع غير المسلمين للقضاء الإسلاميِّ، والقانون الذي يطبَّق عليهم، وما عليه العمل في بعض التشريعات (التنظيمات) العربية والإسلاميّة المعاصرة.

المبحث الأول: خضوع غير المسلمين للقضاء في العهد النبويِّ والخلافةِ الراشدة:

إنَّ من الأمور المتفق عليها بين علماء الإسلام أنه لا يحل لمن تقلَّد الحكم بين الناس أن يحكم إلا بما أمر الله عز وجل به في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله - - - أنّه حكمَ به، أو بما أجمع عليه العلماء، أو بدليلٍ من أحد هذه الوجوه الثلاثة (13) ؛ فإنَّ الله -جلَّ ثناؤه- وضع رسوله موضِعَ الإبانة لِمَا افترض على خلقه في كتابه، ثم على لسان نبيِّه - - - وإنْ لم يكن ما افترض على لسانه نصًّا في كتاب الله؛ فأبان في كتابه: أنَّ رسول الله - - - يهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض - - - ففرضَ على العباد طاعتَه، وأمرَهم بأَخْذِ ما آتاهم، والانتهاءِ عمَّا نهاهم عنه. وكان فَرْضُهُ على مَنْ عايَن رسولَه ومَنْ بعده إلى يوم القيامة واحدًا: في أنَّ على كلٍّ طاعتَهُ (14) .

وبذلك كانت السنةُ النبوية - مع القرآن الكريم - مصدرَ الدِّين: عقيدةً، وعبادة، وأخلاقًا، ومنهجَ حياةٍ، وأصولَ نظرٍٍ واستدلالٍ؛ فهي في ذلك مثل القرآن، لأنها وحيٌ من الله تعالى. ولئن كان القرآن الكريم وحيًا مَتْلُوًّا، فإنَّ السنَّة النبوية وحيٌ غير مَتْلُوٍّ؛ ولذلك أوجب الله تعالى على المسلمين اتِّباعَ الرسول فيما يأمر وينهى، وقرَن طاعة الرسول بطاعته في كثير من آي القرآن الكريم، وحثَّ على الاستجابة لِمَا يدعو إليه من الحياة الكريمة.

ثم تواردت أحاديثُ النبِّي - - - تدعو إلى التمسك بالسنّة، وتوجب العملَ بها، وتبيِّن أنها سبب النجاة. ثم كان الواقع العمليُّ للجيل الأول الذي ربَّاه النبي عليه الصلاة والسلام على عينه، ومَن جاء بعده ممن سار على نَهْجِه، كان ذلك الواقع العمليُّ ترجمةً صادقةً لمحبة النبي - - - وعنوانًا بارزًا على الالتزام بالسنة النبوية، والاحتجاج بها، تحقيقًا لمقتضى الإسلام والإيمان؛ فإنَّ أصحاب السُّنَنِ أعلمُ بكتاب الله تعالى من غيرهم، ولذلك قال الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( إنه سيأتي أناسٌ يأخذونَكم بشبهاتِ القرآن، فخذُوهم بالسُّنن، فإنَّ أصحابَ السنن أعلمُ بكتابِ الله ) ) (15) .

وكَتَبَ رَسُولُ الله - - - كِتَابًا بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَشَرَطَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ. فكان مما جاء في هذا الكتاب:

(( ِبسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ - - - بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأهل يَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ. .. إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت