يحكم بغير أحكام الإسلام، لأنه مخاطب بذلك ابتداء، كما في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [سورة المائدة، الآية 48] . والنصوص في ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متضافرة (66) .
هذا، وقد ذهب الحنفية إلى جواز أن يقلَّد غير المسلمين القضاء بينهم في قضاياهم؛ لأن لهم ولاية على بعضهم، وإذا جازت شهادة بعضهم على بعض فإنه يجوز قضاؤهم على بعض، وقد جرى العرف في الدولة الإسلامية على ذلك. أما جمهور الفقهاء فقد منعوا من تولية غير المسلم للقضاء، حتى ولو كان بين غير المسلمين، لأنهم يشترطون في القاضي أن يكون مسلمًا على الإطلاق، ولأن القانون الواجب التطبيق في دار الإسلام هو أحكام الشريعة الإسلامية، ولا يقوم بتطبيقها وتنفيذها إلا المسلم.
ويمكن الجمع بين الرأيين بأن الأصل عدم تقليد غير المسلم القضاء باعتباره ولايةً عامة، ولكن لو كان ذلك نوعًا من التحكيم أو الرياسة والزعامة بين أهل دينه، في ظل الولاية الإسلامية العامة والخضوع لها: فإنه يجوز، على ما أشار إليه الماورديُّ في حكايته لقول الإمام أبي حنيفة (67) والله أعلم.
تلكم هي أقوال الفقهاء ومذاهبهم، أما ما عليه العمل في العصر الحاضر من حيث مدى خضوع غير المسلمين للقضاء الإسلامي، ومن حيث القانون الواجب التطبيق عليهم؛ فيمكن أن نعود فيه إلى أواخر عهد الدولة العثمانية، ثم نضرب بعض الأمثلة على ذلك من قوانين أو أنظمة بعض البلاد الأخرى من الدول العربية.
أ ـ أما في الدولة العثمانية: فقد كان رعاياها مؤلفين من أقوام مختلفين في العنصر والدين والمذهب، كما هي الحال في الدولة الإسلامية منذ عصورها الأولى، فنشأت في الدولة الإسلامية مسألة الأقليات غير المسلمة ومسألة الأجانب. والأجانب بالتعبير المعاصر يعني من لا يحمل جنسية الدولة أو رعويتها، وهو يقابل المستأمن في الفقه الإسلامي.
فالأقليَّات غير المسلمة كانت تتمتع في مسائل الأحوال الشخصية بامتيازات قضائية، وَفْقًا للمبدأ الإسلامي في التسامح مع أهل الذمة وعدم الإكراه في الدين. وتأيدت هذه الامتيازات بعهود ومعاهدات لاحقة عديدة. وكذلك كان الأجانب يتمتعون بامتيازات خاصة منذ القديم، وكانت تتجدد في بدء كل خلافة بمعاهدات متتابعة متشابهة.
وكانت هذه المعاهدات - بوجه عام - تحوي الإعفاء من الضرائب، والحصانة من سلطة المحاكم العثمانية، ومن التشريع المحلي في مسائل الأحوال الشخصية، وفي سائر القضايا التجارية والمختلطة.