وكانت بعض هذه المعاهدات تعطي بعض الدول الأجنبية الحقَّ بحماية رعايا دول أخرى.
وهكذا تحولت الامتيازات التي كانت تستند إلى أسباب تجارية، فأصبحت وسيلةً للتدخُّل الأجنبيِّ في أمور الدولة بزعم حماية الأقليات غير المسلمة. وهكذا تشابكت قضية الأجانب بقضية هذه الأقليات، بسبب وحدة الدين بين الفئتين، وازداد هذا التدخل في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
واعتبارًا من سنة 1914 م ألغت الدولةُ العثمانية الامتيازاتِ الأجنبيةَ، واعترفت الدول الأجنبيةُ بذلك في معاهدة لوزان المؤرَّخة في 24 تموز 1923 م، وفي السنة التالية أُلغيت الخلافة ومنصب شيخ الإسلام (المفتي العام) والمحاكم الشرعية، واستبدلت بالأحكام الشرعية الإسلامية قوانينُ مترجمةٌ عن القوانين الأوربية بلا تعديل يذكر (68) .
ب ـ وأما في مصر: فقد كان القضاءُ الشرعيُّ قديمًا القضاءَ العادي الوحيد في مصر، ولكن إبان العهد العثماني تألفت المحاكم النظامية، وضيق اختصاص المحاكم الشرعية تدريجيًا. وعلى أثر تأسيس المحاكم المختلطة والقنصلية، نظمت المحاكم الأهلية بلائحة أولى في سنة 1883، وأعيد تنظيمها بلائحة ثانية، وكانت المحاكم القنصلية تختص بالفصل في قضايا الأحوال الشخصية بين الأجانب التابعين لدول ذات امتياز ولو كانوا مسلمين، فالعبرة في الاختصاص بجنسية المدعى عليه. ولما أُلغيت المحاكم المختلطة سنة 1949، أصبحت المحاكم الأهلية المحاكمَ العادية الوحيدة في مصر. وبصدور القوانين الجديدة وتنظيم المحاكم الأهلية والمختلطة، انحصر اختصاص المحاكم الشرعية وأحكام الشريعة بقضايا الأحوال الشخصية للمسلمين فقط، فأصبحت في صفٍّ واحد هي ومحاكم الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية والإسرائيلية المصرية، وإن يكن اختصاصُها - فيما بقي لها - أوسعَ قليلًا من اختصاص المحاكم المذكورة.
وأما غير المسلمين من المصريين، فكلُّ طائفة منهم تخضع في مسائل الأحوال الشخصية إلى قانونها الخاص وإلى مجلس مِلَّتها (69) .
وقد جاء في حكم محكمة الجَماليَّة الشرعية بالقاهرة أنَّ المحاكم الشرعية هي المختصة بالنظر في قضايا نفقة الأقارب بين المسيحيين؛ لأنها الجهة القضائية العامة.
كما قضت أيضًا بأن اختصاص البطريكخانة قاصرٌ على النظر في مواد عقد النكاح وفَسْخِه وما يترتب على ذلك مباشرةً، كالمهر و الجهاز.
وكلُّ ما لا يدخل في هذه الأنواع تنظره المحاكم الشرعية، لأنها الجهة القضائية العامة (70) .