الصفحة 19 من 38

القذف من حقوقهم، فلزماه. أما حدّ الزنا فخالص حقِّ الله سبحانه، وكذا المغلَّب في السرقة حقّه، ولم يلتزمه، وصاحبه - تعالى - مَنَعَنا من استيفائه عند إعطاء أمانه، بخلاف المنع من شراء العبد المسلم والمصحف والإجبار على بيعهما فإنه من حقوق العباد، لأن في استخدامه قهرًا وإذلالًا للمسلم وكذلك في استخفافه بالمصحف، والزنا مستثنى من كلِّ عهودهم.

والحجة للإمام محمدٍ - في الفرق بين المسلم أو الذمي إذا زنى بمستأمنة حيث يجب الحد عنده على الفاعل، وبين المسلمة أو الذمية إذا زنت بمستأمن حيث لا يجب الحد عنده عليها: أن الأصل في الزنا فِعْلُ الرجل، والمرأةُ تَبَعٌ، لكونها محلًا للفعل، فامتناعُ الحدِّ في حقّ الأصل يوجب امتناعه في التَّبَع، بخلاف امتناعه في التبع، لا يوجب امتناعه في حق الأصل ...

ولأبي حنيفة: أنَّ فعل المستأمن زنا، لكونه مخاطبًا بالحرمات كحرمة الكفر والزنا في حقِّ أحكام الدنيا - على ما هو المختار، بخلاف قول العراقيين - إلا أنه امتنع حدّه، لأن إقامته بالولاية، والولاية مندفعة عنه بإعطاء الأمان إلا فيما التزمه من حقوق العباد، فقد مكّنت من فعلٍ هو زنا لا قصور فيه. وهو الموجِبُ للحدِّ عليها (61) .

يقتل المستأمَن قصاصًا إذا قَتل المسلمَ، كما هو مذهب العلماء بالاتفاق، ويُقتل أيضًا بقَتْلِ الذميِّ، ولو كانا مختلفين في الدِّين؛ لأنَّ الكفر ملَّة واحدةٌ، كما يُقتل بالمستأمن.

ولو قذف المستأمن مسلمًا في دار الإسلام: فإنه يقام عليه الحد؛ لأن القذف حقُّ العبد، أو فيه حقٌّ للعبد، ولأنه طمع في أن لا يقام عليه الحدُّ وأن لا يؤذى، فيتساهل في القذف والعدوان على الأعراض، فكان ذلك - ضرورةً - التزامًا منه بأحكام الإسلام أو التزامًا بعدم الإيذاء.

ثم هو بقذفه للمسلمين قد استخفَّ بهم، وما أُعطي الأمان على ذلك؛ فلذلك يقام عليه الحدُّ زَجْرًا وصيانةً لأعراض المسلمين، كما أُقيم عليه حدُّ السرقة صيانةً لأموالهم.

أما حدُّ الزنا: فلا يقام عليه، كما سبق عند الحنفية، وينتقض أمانُه بذلك، فيجب إخراجه من دار الإسلام وإبلاغُه مأمَنَه من غير تعرُّض له بالقتل لكونه ناقضًا لعهده (62) .

قال الإمام الشافعي - رحمه الله - بمثل قول شيخه الإمام محمد بن الحسن في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت