ولو أن مسلمًا زنى بامرأة منهم دخلت إلينا بأمان: أُقيم عليه الحدُّ ودرئ عن المرأة.
ولو سرق مسلم من بعضهم سرقة: درئ عنه القطع وضمن السرقة. وكذلك لو أن رجلًا من هؤلاء الحربيين المستأمنين قتل رجلًا من أهل الذمة أو قطع يده متعمدًا: اقتصّ منه. ولو أن الذميّ قتل الحربيّ أو قطع يده متعمدًا: ضَمِنَ الأَرْش ولم يقتصَّ منه (60) .
ووقع خلاف في هذه المسألة بين أئمة الحنفية الثلاثة في القضايا الجنائية: وحاصل المسألة - كما يقول ابن الهمام - أنه إذا زنى الحربي المستأمن بالمسلمة أو الذمية فعليهما الحدُّ دون الحربيِّ في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف أولًا: لا حدَّ على واحد منهما. ثمَّ رجع فقال: عليهما الحدُّ جميعًا. وقال محمد بقوله الأول، فصار فيها ثلاثة أقوال: قول أبي حنيفة: تحدُّ المَزْنِيُّ بها المسلمة والذمية، وقول محمد: لا يحد واحد منهم، وقول أبي يوسف: يحدُّون كلهم.
وتقييد المسألة بالمسلمة والذمية لأنه لو زنى بحربية مستأمنة لا يُحَدُّ واحد منهما عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يحدَّان - ذكره في (( المختلف ) )- وإن زنى المسلم أو الذميُّ بالحربية المستأمنة حُدَّ الرجل في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يُحدَّان جميعًا.
والأصل: عند أبي حنيفة ومحمد: أنه لا يجب على الحربيّ حدٌّ من الحدود سوى حدّ القذف؛ فلا يجب عليه حدّ زنا ولا سرقة ولا شرب خمر. وعند أبي يوسف: يجب الكلُّ إلا حدّ الشرب. فحدُّ الشرب لا يجب اتفاقًا، لأنه يعتقد حلَّه. وحدُّ القذف يجب عليه اتفاقًا لأن فيه حق العبد.
واختلفوا في حدِّ الزنا والسرقة؛ فعند أبي يوسف يجب الحدُّ عليهما، وعند أبي حنيفة ومحمد لا يجب الحدُّ.
وجه قول أبي يوسف: أن المستأمن التزم أحكامنا مدة مقامه في دارنا في المعاملات والسياسات كما أن الذميّ التزمها مدة عمره، ولهذا يحدّ للقذف، ويقتل قصاصًا، ويمنع من الزنا وشراء العبد المسلم والمصحف، ويجبر على بيعهما، بخلاف حد الشرب لأنه معتقد إباحته دينًا.
ووجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنه لما لم يدخل للقرار بل لحاجةٍ يقضيها ويرجع وعلينا أن نمكّنه من الرجوع بشرطه، لم يكن بالاستئمان ملتزمًا جميع أحكامنا في المعاملات، بل ما يرجع منها إلى تحصيل مقصده وهو حقوق العباد، غير أنه لابدّ من اعتباره ملتزمًا الإنصاف وكفَّ الأذى، إذ قد التزمنا له بأمانه مثل ذلك، والقصاص وحدّ