الصفحة 17 من 38

لهم رجل من المسلمين، أومن أهل الذمة، أو أدانوه، فإنهم يؤخذون بذلك كله فيحكم لهم وعليهم، لأنهم كانوا تحت يد الإمام وولايته حين جرت هذه المعاملات بينهم، وما أمّنَّاهم ليظلم بعضهم بعضًا، بل التزمنا لهم أن نمنع الظلم عنهم، فلهذا تسمع الخصومة التي جرت بينهم في دار الإسلام كما لو جرت بين المسلمين (54) .

وقال الطبري أيضًا - وهو قول الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف: لو أن ناسًا من أهل الحرب خرجوا إلينا بأمان فأدان بعضهم بعضًا ثمَّ اختصموا في ذلك إلى قاضٍ من قضاة المسلمين قضى لبعضهم على بعض بذلك وحبس بعضهم لبعض فيما يلزمهم من الدَّين. وكذلك لو اغتصب بعضهم بعضًا واستُهْلك الغصب أو كان قائمًا ثمَّ خاصم المغصوب الغاصب في ذلك إلى قاضٍ من قضاة المسلمين قضى عليه بالغصب المستهلك والقائم وحبسه له به (55) .

(الحال الثالثة) : أن تكون القضايا الجنائية مما وقع في دار الإسلام؛ فإن المستأمن يخضع فيها لأحكام القضاء الإسلامي ويستوفى منه ما كان متعلقًا بحقوق العباد، ويدرأ عنه الحدُّ إذا كان من حقوق الله تعالى (56) . ولا يعني هذا أن يفلت من العقوبة، بل إنه يوجع عقوبةً إن درئ عنه الحد أو سقط عنه.

وفي هذا يقول الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لو أنَّ ناسًا من أهل الحرب خرجوا إلينا بأمان فزنى بعضهم أو سرق: درئ عنه الحدّ وضمن السرقة؛ لأنهم لم يصالحوا ليكونوا ذمة تجري عليهم أحكام الإسلام.

ولو قتل رجلٌ منهم رجلًا من المسلمين: قُتِل به، وإن قذف رجلًا من المسلمين رجلٌ منهم: ضُرِب الحدّ. وإن زنى رجل منهم بامرأة من المسلمين: درئ عنه الحد (57) وأُوْجِع عقوبةً (58) . ولو أن بعضهم قطع يد رجل من المسلمين: قطعت يده.

ولو أنَّ مسلمًا قتل بعضَهم: درئ عنه القتل وضمن الدية في ماله إن كان القتل عمدًا، وإن كان خطأ: كان على عاقلته الديةُ وكانت عليه الكفارة، وهو في هذا ليس بمنزلة أهل الذمة الذين يُقْتَصّ لهم، لأنه محارب لا تجري عليه الأحكام والحدود، فما أصاب الذميُّ والمسلم من هذا المستأمن من قطع يدٍ أو قتل فلا قصاص. وكذلك لو أن مسلمًا قطع يد بعضهم أو رجله أو فقأ عينه أو قتل ابنه متعمدًا: درئ عنه القتل والقصاص وكان عليه الأَرْش (59) في ماله، وإن فعل ذلك خطأ كان على عاقلته.

ولو أنّ مسلمًا اغتصب من بعضهم غصبًا أو مالًا أو عَرَضًا فاستهلكه أو كان قائمًا: قضى على المسلم بردِّه وأجبر على دفع ذلك إليه. وكذلك لو استدان مسلم من بعضهم دينًا أُجبر على ردّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت