في دار الحرب، ثمَّ ترافع أصحابها إلى القاضي المسلم في دار الإسلام: فإنه لا ينظر فيها ولا يسمع الدعوى ولا يقضي بينهم، لأن القضاء فيها يستدعي الولاية، وليس له ولاية عليهم وهم في دار الحرب.
لذلك قالوا: إذا خرج قوم من أهل الحرب مستأمنين لتجارة - ولرسالةٍ أو سفارة من بابٍ أولى - ودخلوا دار الإسلام، وقد كان لبعضهم على بعض دَيْنٌ في دار الحرب، فلا يعرض لما كان بينهم من هذه المداينات، ولا يؤخذ أحدٌ منهم بذلك الدَّين الذي كان في دار الحرب، لأنهم خرجوا مستأمنين، فلما دخلوا بالأمان لم يصيروا من أهل دار الإسلام، وقد كانت هذه المعاملة بينهم حين لم يكونوا تحت يد الإمام، فلذلك لا يسمع الخصومة في شيء من ذلك إلا أن يلتزموا حكم الإسلام، وذلك يكون بعقد الذمة، وهم ليسوا ذمّيين.
وكذلك لو كانت هذه المعاملات بينهم وبين مسلمٍٍ وهم في دار الحرب؛ فلو أنَّ رجلًا مسلمًا كان قد أدانهم في أرض الحرب أو أدانوه، أو غصبهم مالًا أو غصبوه، ثمَّ خرج الحربيُّ إلينا مستأمنًا في دار الإسلام، فخاصم بعضُهم بعضًا في ذلك إلى قاضٍٍ من قضاة المسلمين، فلا ينظر في شيء من ذلك ولا يقضي به لأحدهما على الآخر، لانعدام الولاية.
وكذلك ما كان بينهم من قتل وجراحات في أرض الحرب، فإن ذلك كلَّه باطل لا يقضي فيه، لأنهم فعلوا ذلك حيث لا تجري عليهم أحكام الإسلام.
أمّا إن كان بينهم شيء من ذلك وهم حربيون ثمَّ خرجوا إلينا مسلمين فيقضي بينهم بالدَّين، لأن تلك المداينة كانت صحيحة، ولا يقضي بالغصب، لأنه صادف ملكًا مباحًا فصار مِلْكًا له، وإنما يؤمر المسلم برد المغصوب بطريق الفتوى والديانة دون القضاء، فلا يجبر عليه في الحكم، لأن المِلْك الذي ثبت له مِلْك فاسد لما فيه من نقض العهد، فأشبه المشترى بشراء فاسد، وتجب التوبة منه ولا تتحقق التوبة إلا بردِّ المغصوب (52) .
ونقل الإمام أبو جعفر الطبريُّ الإجماعَ على هذه المسألة فقال: (( وأجمعوا أنَّ جناياتِ أهل الحرب بعضهم على بعض في دار الحرب، وغَصْبَ بعضهم بعضًا فيها قبل الإسلام موضوعةٌ، وأنْ ليس لحاكم المسلمين أن ينظر في ذلك إذا أسلموا أو دخلوا دار الإسلام بأمان؛ وكذلك حكم جناياتهم على المسلمين في الحروب وفي دار الإسلام وغصوبهم لهم إذا أسلموا أو دخلوا دار الإسلام ) ) (53) .
(الحال الثانية) : أن تكون تلك المعاملات المالية في دار الإسلام؛ فإن المستأمن إذا دخل دار الإسلام فإنه يخضع فيها للقضاء ويحكم عليه القاضي المسلم إذا ترافع إليه في ذلك. ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن: وإن أدان بعضهم بعضًا في دار الإسلام، أو أدان