الصفحة 2 من 38

فإنَّ الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه، ينزع إلى الحياة مع الآخرين والعيش معهم، وترتبط مصالحه بمصالحهم ووجودهم. وهذا قد يكون واحدًا من الأسباب التي تُفْضِي إلى الخصومة والنزاع، أو تحمِلُ بعضَ الناس على الظلم والعدوان؛ فإنَّ الظلم من شِيَمِ النفوس ما لم يكن هناك وازعٌ من دين أو سلطان.

ولذلك كان القضاءُ بين الناس لفَصْلِ الخصوماتِ وإنهاء النزاع وإعادةِ الحقوق لأصحابها وإقامةِ العدل وإنفاذِ أحكام الشرع ضرورةً دينيةً فطريَّة، وضرورةً تنظيميَّةً اجتماعيَّةً.

والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية؛ أنَّ أحكامها تسري على كل من يقيمون في دار الإسلام من المسلمين وغير المسلمين. وهذا يتفق مع سيادة الدولة التي ينبغي أن تكون مفروضةً على كلِّ رعاياها، وعلى من يكون على أرضها أو إقليمها.

وإذا كان غير المسلمين يتمتعون بمركز قانونيٍّ (1) ، قد يختلف فيه الذميُّ عن المستأمَن في بعض الجوانب والمسائل؛ فإنَّه من الأهميَّة بمكان أن يتحدَّد مدى خضوعِهم جميعًا للقضاء الإسلاميِّ، وبخاصَّة في هذا العصر الذي تنامتْ فيه العلاقاتُ بين الأمم والشُّعوبِ، وتزايد اختلاطُ المسلمينَ بغيرهم، واتسعتِ المعاملاتُ بينهم في دار الإسلام، بعد رفْعِ كثيرٍ من الحواجز. وهو ما يدرسُه القانونيون في علم القانون الدولي الخاص تحت عنوان: (( تنازع القوانين ) )أو (( الاختصاص الدوليّ ) ).

ولبيان القاعدة العامة في خضوع غير المسلمين للقضاء الإسلاميِّ في دار الإسلام (الدولة الإسلامية) ، وما قد يَرِدُ من استثناءات على هذه القاعدة، ولمعرفة ما عليه العملُ في بعض التشريعات المعاصرة في البلاد العربية والإسلامية، نعقد بعد هذه المقدمة تمهيدًا، وأربعة مباحث، وخاتمة:

التمهيد: طبيعة الدعوة وقواعد العلاقة مع غير المسلمين.

المبحث الأول: خضوع غير المسلمين للقضاء في العهد النبوي والخلافة الراشدة.

المبحث الثاني: مدى خضوع الذميين للقضاء في الفقه الإسلامي.

المبحث الثالث: مدى خضوع المستأمنين للقضاء في الفقه الإسلامي.

المبحث الرابع: ما عليه العمل في بعض التشريعات المعاصرة.

الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت