قال الإمام مالكٌ: يخضع أهل الذمّة للقضاء الإسلامي، فيُحملون في البيوع والمعاملات والحدود على حكم الإسلام إلا في الزنا، فإنه لا يُحكم به فيما بينهم، فإن ترافعوا إلى القاضي المسلم كان مخيَّرًا، إن شاء حكم وإن شاء ترك. فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام، وإنما حكم النبيُّ - - - بالرجم على اليهودي لأنه لم يكن له ذمة يومئذ.
وقال: الذميُّ إذا سَرَق قُطِع، وكذلك إذا قَتل أو قَطع يدَ ذميٍّ، اقتصَّ منه، وإذا زنى لم يُحَدّ، ويُرَدّ إلى أهل دينه، فإن أعلن ذلك عزَّره الإمام.
وقال: إذا تظالم أهل الذمّة في مواريثهم: لم يُعْرَض لهم، ولا أحكم لهم فيما يحكم دينهم وإن تظالموا. لكن إن رضوا بحكمنا: حكمنا بينهم بحكمنا. وإذا طلَّق الذمي امرأته ثلاثًا فَرَفَعَتْهُ إلى الإمام: لم يَعْرِض لهما حتى يرضيا بحكمنا، فإن رضيا فالقاضي مخيَّر، وإن حكم بينهما حكم بحكم الإسلام (47) .
قال الإمام الشافعيُّ: الذي أحفظ من قول أصحابنا وقياسه أنّهم لا ينظرون فيما بين أهل الكتاب ولا يكشفونهم عن شيء من أحكامهم فيما بينهم، وأنَّهم لا يُلْزِمُون أنفسهم الحكم بينهم إلا أن يتدارؤوا هم والمسلمون، فإنْ فعلوا فلا يجوز أن يَحكم لمسلمٍٍ ولا أن يحكمَ عليه إلاَّ مسلمٌ يحكم بحكم الإسلام.
وكذلك لو ترافعوا إلى حُكّامنا هم ومستأمنٌ لا يرضى حكمَهم، أو أهل ملّة وملّة أخرى لا تَرضى حكمهم، وإن تداعوا إلى حكَّامنا فجاء المتنازعون معًا متراضين: فالحاكم بالخيار، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وأَحبُّ إلينا أن لا يحكم، فإن أراد الحكم بينهم قال لهم قبل أن ينظر فيه: إني إنما أحكم بينكم بحكمي بين المسلمين، ولا أجيز بينكم إلا شهادة العدول المسلمين، وأُحرِّم بينكم ما يَحْرُم في الإسلام من الربا وثمن الخمر والخنزير، وإذا حَكَمْتُ في الجنايات حكمتُ بها على عواقلكم برضا العاقلة (48) .
والحجة في ذلك: قوله تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [سورة المائدة، الآية 42] . فهي على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض، مع قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ ? [سورة المائدة، الآية 49] .
قال الإمام الشافعي - رحمه الله: (( فسمعتُ من أرضى علمه يقول: وأن احكم بينهم إن حكمتَ ) ) (49) .