القاضي المسلم أو ترافع أحدهما؛ لأنهم ملتزمون بأحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المالية، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإن ذلك جائز فيما بينهم، لأنهم يُقَرُّون على أن تكون مالًا لهم، ولو لم يجز مبايعتُهم وتصرُّفُهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالًا لهم، ولَمَا وجب على مستهلكها عليهم ضمانٌ.
وفيما عدا ذلك فإنهم يُحْمَلون على أحكام المسلمين؛ لقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [سورة المائدة، الآية 49] .
وفي هذه الآية الكريمة نسخٌ للتخيير في الآية السابقة لها، وهي قوله تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [سورة المائدة، الآية 42] على رأي بعض العلماء، أو هي خاصَّة في غير أهل الذمة، والأولى في أهل الذمة، فلا نسخ فيهما (38) .
وروي عن النبي - - - أنه كتب إلى أهل نجران: (( إمّا أن تذَرُوا الربا وإما أن تأذَنُوا بحربٍ من الله ورسوله ) ) (39) . فجعلهم النبيُّ - - - في حَظْر الربا ومنعهم منه كالمسلمين، قال الله تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [سورة النساء، الآية 161] . فأخبر أنهم منهيُّون عن الربا وأكل المال بالباطل، كما قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [سورة النساء، الآية 29] . فسوّى بينهم وبين المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة، إذْ يقاس على الربا كلُّ ما يتعلق بحكم البيوع والإجارات ونحوها من العقود والمعاملات (40) .
ب ـ وفي الحدود أيضًا: يجب على الإمام أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين، فكلُّ ما وجب على الإمام أن يُقيمَه على المسلمين فيما أصابوا من الحدود، كالزنا والقذف والسرقة وقطع الطريق وجب عليه أن يقيمه على أهل الذمّة، غير ما استحلُّوا به في دينهم، كشربهم الخمر وما أشبهه، فإن ذلك يختلف حالهم فيه وحال المسلمين، فيعاقب المسلمون على ذلك، وأهل الذمّة لا يُعَاقَبون عليه، ما خلا الرجم في الزنا، فإنه لا يقام على أهل الذمّة، لأن الأسباب التي يجب بها الإحصان: أحدها الإسلام. فأما ما سوى ذلك من العقوبات الواجبات في انتهاك الحرمات، فإن أهل الذمّة كأهل الإسلام. ويجب على الإمام أن يقيمها عليهم، وإن لم يتحاكموا إليه، كما يجب عليه أن يقيمه على أهل الإسلام وإن لم يتحاكموا إليه (41) .
والدليل على ذلك: حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: أن رسول الله - - - رجم يهوديًا ويهودية حين تحاكموا إليه (42) . ولم يجئ أنه - - - لم يحكم عليهم إلا لأنهم تحاكموا إليه، فإنَّ ابن عمرَ ـ رضي الله عنهما ـ إنّما أخبر عن فعل النبيِّ - - - وحكمه إذْ تحاكموا إليه، ولم يخبر عن حكمهم عنده قبل أن يتحاكموا إليه ... وإنما حكم النبيُّ - - - عليهما بالرجم، لأنَّ ذلك كان الحكم في الزُّناة في شريعة موسى - عليه السلام - للمُحْصَن وغير المحصن، ثمَّ نُسِخ ذلك في شريعتنا، فجُعل الرجمُ للمحصن، والجَلد لغير المحصن، ولا