فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 149

أما أهل البصيرة والحكمة فيوقنون أنها مزرعة لأعمالهم ويعتبرون من تصرم الأعوام وذهاب السنين ويحاسبون أنفسهم ويعاتبونها في الحق فإن كانوا أحسنوا فيما مضى حمدوا الله وإن كانوا أساءوا رجعوا فتابوا وأنابوا. قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) . (1) وقال قتادة: (اعلموا أن طول العمر حجة فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر) . قال بعض السلف: (كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره ... كيف يفرح من يقود عمره إلى أجله وتقوده حياته إلى موته) .

والناس في استثمار الوقت أقسام:

1 -قسم استثمره في إصلاح الدنيا وكسب المعاش وصرف همته وجهده لذلك ولم يلتفت ألبته إلى إصلاح آخرته وفرط في الطاعة الواجبة وأعرض عن ربه فهذا حاله كحال الكفار الذين عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم.

2 -وقسم استثمر وقته في إصلاح دينه ودنياه لكن صرف جل وقته وجهده في طلب الدنيا والتكثر منها وجعل اليسير لدينه وقام بالواجب منه فهذا على خير وإن كان مقتصد في عمل الآخرة.

3 -وقسم استثمر وقته في إصلاح دينه ودنياه لكن صرف جل وقته وجهده في طاعة ربه والتزود من الصالحات والمسابقة في الخيرات وصرف القليل من وقته في إصلاح دنياه والحصول على قوته واستغناءه عن الخلق فهذا هو خير الأقسام وهذه طريقة الأنبياء والصالحين. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) . (2)

4 -وقسم لم يستثمر وقته في أمر نافع وضيع وقته في السيئات والأعمال التافهات فلا دينا أقام ولا دنيا أصلح وكان عالة على غيره حملا ثقيلا على أهله فهذا حاله كفقير النصارى الذي ما أصاب دنيا ولا صلحت آخرته وهذا هو شر الأقسام.

(1) : فاطر (37)

(2) : القصص (77)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت