مذهب أهل السنة والجماعة على أن السِّحر له أثر ثابت وهو حقيقة لا خيال وقد استدل العلماء على ذلك بأدلة هي:
أولًا: قول الله تعالى: [فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ] {البقرة:102} حيث صرّحت الآية بأن من أثر السِّحر التفريق بين المرء وزوجه مع ما بينهما من الإلفة والمحبة والترابط والسَّحرة يستعينون على ذلك بالشياطين للتنزع وإيقاع العداوة والبغضاء.
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: (أن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا فيقول إبليس لا والله ما صنعت شيئا ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت) رواه مسلم.
ثانيًا: قول الله تعالى: [وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ] {البقرة:102} فقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أثر السِّحر وضرره علمًا بأن هذا التأثير إنما هو من قضاء الله وقدره.
ثالثًا: قول الله تعالى: [قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ] {الأعراف:116} وصف الله تعالى السِّحر بأنه (عظيم) ولا يقع هذا الوصف على شيء لا وجود له فدل على أن السِّحر حقيقة لا خيال.
رابعًا: قول الله تعالى: [فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحر إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ] {يونس:81} وقول الله تعالى: [فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {الأعراف:118} يُفهم من هاتين الآيتين أنه كان للسحر حقيقة وأثر ثابت ثم أبطله الله.
خامسًا: قول الله تعالى: [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ] {سورة الفلق} . والمقصود بالنفاثات في العُقد السواحر اللواتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن فلما أمرنا الله تعالى في هذه السورة أن نستعيذ به من شر ما خلق ومن السواحر فمعناه أن هذه الأشياء موجودة وثابتة ولو لم يكن لها أثر ووجود لما أمرنا بالاستعاذة منها ومما يدل على أن المراد بالنفاثات في العقد السواحر قول الرسول ? (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك) رواه النسائي [1] وقد أجمع المفسرون أن هذه الآية نزلت في لبيد بن الأعصم لما سحر رسول الله ? ثم آتاه جبريل وأخبره.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر النبي ? رجل من بني زُريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ? يُخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما يفعله حتى إذا كان ذات يوم دعا رسول الله ? ثم دعا ثم قال: (يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب قال: من طبه قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطه وجف طلع ذكر قال: فأين هو؟
(1) قال شيخنا الشيخ تركي بن محمد الزيد حفظه الله تعالى: «الحديث في إسناده ضعف، ولكنه ضعيف المبنى صحيح المعنى» .