فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 106

بسبب وجود معاهدات بين المسلمين ويهود المدينة، فهذه الموانع انتفت في عهد الخليفتين، ومن تتبع المسألة يجد أنه لم يردنا أي شيء عن محاسبة ابن صائد على دجله، وعدم وقوع هذه المحاسبة فيه دلالة على أن هناك سببًا قويًا غير معهود في امتناع الخليفتين عن ذلك مع انتفاء الموانع الظاهرة وتوفر الدواعي لذلك، فما هو هذا السبب؟

4 -المفارقات التي ذكرها ابن صياد بينه وبين الدجال الأكبر لها أهميتها في هذا المقام، وهي مرجحة لكون ابن صياد ليس الدجال الأكبر، لكنها غير جازمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر مثل هذه الأوصاف عن الدجال الأكبر بأنه لا يدخل مكة والمدينة، وأنه لا يولد له ولد حين خروجه، وهذا لا ينفي وقوعه قبل ذلك، يقول ابن حجر:» أما احتجاجاته - أي ابن صائد - بأنه مسلم إلى سائر ما ذكر، فلا دلالة له على دعواه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان. « [1]

-- - قال أبو سعيد: «وَقِيلَ لَهُ: أبن صائد! أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؛ أي الدجال قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ.» [2]

أقول:

الأثر فيه إشارة إلى أن ابن صائد كان معجبًا بشخصية الدجال، ولا نعلم هل قال هذا الكلام بعد إسلامه أم قبل؟ وإن كان دلالة سياق أحاديث أبي سعيد تدل على أنه قال ذلك بعد إسلامه مما يشكك بصورة واضحة في مصداقية ادعائه الإسلام.

ولعل إعجابه بشخصية الدجال، وتمنيه أن يكون هو، واستعداده وجرأته ليقول هذا الكلام بين جمع يرى الدجال بصورة منفرة جدًا مما سمعوا عن حقيقته من رسول الله، يوضح لنا سبب نفور من حوله منه.

كذلك يحتمل سياق هذا الحديث وسابقه أن يكون ابن صائد نفسه هو الدجال، وقد استخدم أسلوب التلميح دون التصريح في الدلالة على ذلك، لعلمه أن التصريح

(1) ابن حجر: فتح الباري (13/ 339)

(2) أخرجه مسلم برقم 2927 [مسلم بشرح النووي (9/ 243]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت