فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 106

، وعدم إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليه [1] أمر عجيب، والذي يستوقفني فيه ما عرف من ورع عمر - رضي الله عنه - وتثبته من الحق، فما الذي يدفعه للتأكيد بقسم على أمر مشكوك فيه، وما هي الأمارات التي رآها عمر - رضي الله عنه - ولم نرها وجعلته كالمتيقن بأن ابن صياد هو الدجال؟ والمعلوم أن عمر هو ملهم هذه الأمة يضاف إلى ذلك أنه من أقرب الناس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلمهم بمقتضيات خطابه، يضاف إلى ذلك أنه هو الذي عاين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة ابن صياد، ويتصور أنه قد عاين قصة تميم أو سمع عنها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى فيها للصلاة جامعة، وبالرغم من ذلك لم يُنقل لنا عنه أنه عدل عن يمينه، أو كفر عنها، وأمر كهذا لا بد أن ينقل عنه كما نقل عنه ندمه على موقفه في الحديبية، فلو تبين له أنه تعجل في القسم على أمر مظنون، ثم ظهر له خلافه لنقل عنه ندمه على ذلك أو تكفيره عن اليمين، ولعلم بذلك أقرب الناس إليه كابن عمر رضي الله عنهما وحفصة، ولنقل ذلك عنهما؛ لأن دواعي نقل مثل ذلك قوية. كذلك أليس غريبًا هنا سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سمع قسم عمر، بل أشعر من سياق الخبر أن عمر ترجحت عنده من دلالات عدة استنبطها من حديث النبي أن ابن صياد هو الدجال، فأراد أن يعزز هذه الدلالات فأقسم بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليرى ما يترتب على هذا القسم، فعندما سكت النبي عن الإنكار عليه ترجح لديه أن ما فهمه من دلالات قد أصاب فيها، بل يكفي في هذا المقام ما ورد عن أبي ذر حيث قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: {إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ} [2] فإذا كان لسان عمر - رضي الله عنه - لسان حق، وكلماته

(1) (-) الحق في هذه المسألة أن عدم إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر - رضي الله عنه - فيما أقسم ليس فيه دلالة جازمة على أن ابن صياد هو الدجال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متوقفًا في الحكم بخصوص ابن صياد، وبالتالي كان قسم عمر - رضي الله عنه - على ما غلب على ظنه، والقسم بغلبة الظن جائز، ولا يشترط فيه اليقين.

(2) أخرجه أبو داود برقم 2964 (3/ 100) ؛ والترمذي عن ابن عمر برقم 3682، وقال: حسن غريب (5/ 617) ] وابن ماجة برقم 108 (1/ 40) ؛ و أحمد برقم 21542؛ قال محققه: صحيح [المسند بتحقيق الأرناؤط (35/ 429) ] ؛ وصحح الألباني رواية الترمذي [مشكاة المصابيح (3/ 315) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت