فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 50

وإذا تأملت الحوارات النبوية وجدت أنَّ الكلمة الأخيرة تكون للنبي - حيث ينتهي الحوار عندها. وهذا هو الغالب، كما في الأمثلة السابقة.

وربما كانت الكلمة الأخيرة للطرف المقابل، ولكنها دالةٌ على الرضا والتسليم، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قصة الأعرابي الذي جاء يسأل رسول الله - فبدأ حديثه بقوله: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أنَّ الله أرسلك، فزعم لنا أنك تزعم، ثم مضى يورد أسئلته مصدرة بقوله:"وزعم"، وكان النبي - يجيبه عن أسئلته كلها، وفي ختام المحاورة قال الأعرابي:"والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن" [1] .

-كيف تُساق الأدلة وتعرض الأفكار؟

تتباين أحوال المتحاورين تباينًا كبيرًا، وهذا يقتضي أن تتباين طريقة الحوار، وكيفية سياق الأدلة، وفي الجملة فإن النبي - كان يسلك غالبًا مسلك التدرج في الإقناع.

فعند محاورة الكافر يسلك معه مسلك التدلي من الأهم إلى المهم، ففي حديث بعث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إلى اليمن أمره أن يبدأ فالأهم وهو شأن التوحيد، ثم الصلاة، فالزكاة [2] .

وأما مخاطبة المسلم فهي تتنوع بحسب حاله، فتارة يسلك مسلك الوعظ، وتارة مسلك الترغيب.

المبحث الخامس: الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المحاور:

أولًا: العلم.

فكل حوار لا يُبنى على أساس من العلم، فهو عبثٌ وإضاعة وقت، والمراد بالعلم هنا: علم المحاور بما عنده من الحق، ويتبع ذلك علمه بما عند خصمه من الشبه، وعلمه بطرائق الحوار وأساليبه.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - -لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن-: (( إنك ستأتي قومًا أهلَ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، فإن هم أطاعوا لك؛ بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك

(1) أخرجه مسلم (حديث 12) .

(2) تقدم تخريج الحديث في صفحة (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت