فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 50

ولهذا الحديث شواهد عملية كثيرة دالة على مضمونه، وأنَّ هذا الأدب هو الأصل في مخاطبة النبي - لأصحابه: عن وائل الحضرمي - رضي الله عنه - قال: (( سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسولَ الله - فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه، وقال: اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) ) [1] .

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (( أنَّ النبي شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال فتكلَّم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلَّم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى برك الغماد لفعلنا ... ) ) [2] .

عن جابر - رضي الله عنه - (( أنَّ رجلًا من أسلم أتى النبي - وهو في المسجد، فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات ... ) ) [3] .

ففي هذه النصوص تطبيق عمليٌ لهذا الأدب، فرواة هذه الأحاديث يذكرون إعراض النبي - عن المتحدث بعد سماع قوله، مما يدل على أنَّه - كان مقبلًا عليه قبل ذلك، بل إن العناية ببيان إعراضه - عن المتحدث، لكونه خلاف الأصل، مما يقتضي نقله والتنبيه على عليه، والأمثلة على هذا الأدب كثيرةٌ جدًا.

المبحث الثاني: مراعاة الفروق الفردية بين المخاطبين:

وهذا جانب متألقٌ من جوانب عناية السنة بشأن التخاطب، وهو الاهتمام بشأن الفروق الفردية بين المخاطبين، ومخاطبة كل أحدٍ بما يناسبه. ويمكن استجلاء هذا الأدب في الأمور التالية:

-أولًا: مخاطبة الإنسان على قدر علمه:

عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (( كنت رِدف النبي - على حمار يقال له: عُفير، فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُ العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا ) ) [4]

(1) أخرجه مسلم (حديث 1846) .

(2) أخرجه مسلم (حديث 1779) .

(3) أخرجه البخاري (حديث 4969) .

(4) أخرجه البخاري (حديث 2701) ، ومسلم (حديث 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت