ولهذا الحديث شواهد عملية كثيرة دالة على مضمونه، وأنَّ هذا الأدب هو الأصل في مخاطبة النبي - لأصحابه: عن وائل الحضرمي - رضي الله عنه - قال: (( سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسولَ الله - فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه، وقال: اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) ) [1] .
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (( أنَّ النبي شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال فتكلَّم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلَّم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى برك الغماد لفعلنا ... ) ) [2] .
عن جابر - رضي الله عنه - (( أنَّ رجلًا من أسلم أتى النبي - وهو في المسجد، فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات ... ) ) [3] .
ففي هذه النصوص تطبيق عمليٌ لهذا الأدب، فرواة هذه الأحاديث يذكرون إعراض النبي - عن المتحدث بعد سماع قوله، مما يدل على أنَّه - كان مقبلًا عليه قبل ذلك، بل إن العناية ببيان إعراضه - عن المتحدث، لكونه خلاف الأصل، مما يقتضي نقله والتنبيه على عليه، والأمثلة على هذا الأدب كثيرةٌ جدًا.
وهذا جانب متألقٌ من جوانب عناية السنة بشأن التخاطب، وهو الاهتمام بشأن الفروق الفردية بين المخاطبين، ومخاطبة كل أحدٍ بما يناسبه. ويمكن استجلاء هذا الأدب في الأمور التالية:
-أولًا: مخاطبة الإنسان على قدر علمه:
عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (( كنت رِدف النبي - على حمار يقال له: عُفير، فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُ العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا ) ) [4]
(1) أخرجه مسلم (حديث 1846) .
(2) أخرجه مسلم (حديث 1779) .
(3) أخرجه البخاري (حديث 4969) .
(4) أخرجه البخاري (حديث 2701) ، ومسلم (حديث 30) .