يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها )) [1] .
ولا يمدح من الجدل إلا ما كان في سبيل إظهار الحق، ودرء الباطل، وما عداه فإن مستهلك للوقت، ومقعد على العمل، وداعية إلى الضلال، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (( ما ضل قومٌ بعد هدى إلا أوتوا الجدل ) ) [2] .
وقد جاء الثناء من الرسول - على من تركه وإن كان الحق له، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراءَ وإن كان مُحقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) ) [3] .
من أهم الآداب التي يحتاجها المحاور أن يكون واسع الصدر، بسماع جميع ما يورده المحاور، وألاَّ يتبرم بكثرة سؤاله أو اعتراضه، والأمثلة على هذا الأدب كثيرةٌ في سنة النبي -، وإليك أحدها:
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال أُخبِر رسولُ الله - أنه يقول: لأقومنَّ الليلَ، ولأصومنَّ النهار ما عشت، فقال رسول الله: (( أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: قد قلته يا رسول الله، فقال رسول الله - فإنك لا تستطيع ذلك، فصُم وأفطر، ونم وقم، وصُم من الشهر ثلاثةَ أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك، قال: صُم يوما وأفطر يومين، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، قال صم يومًا وأفطر يومًا وذلك صيام داود -عليه السلام- وهو أعدل الصيام، قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله - لا أفضل من ذلك ) ) [4] .
فتأمل كثرة إيرادات عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- رغم صغر سنة، واستماع النبي - له، وإرشاده إلى الأكمل في إيراداتها كلها.
(1) أخرجه البخاري (حديث 2326) .
(2) رواه الحاكم (حديث 3574) وقال:"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجوه". وفيه إسناده: أبو غالب البصري قال عنه الحافظ الذهبي (الكاشف الترجمة 6776) :"صالح الحديث"، وقال الحافظ ابن حجر (التقريب الترجمة 8298) :"صدوق يخطئ"، وباقي رجاله ثقات.
(3) أخرجه أبو داود (حديث 4800) ، ومن طريقه البيهقي (10/ 249) .
(4) أخرجه البخاري (حديث 1874) ، ومسلم (حديث 1159) .