فهرس الكتاب
ومن الأمثلة: حديث أنس بن مالك [1] في كثرة سؤال الأعرابي النبي - عن صدق رسالته.
غاية الحوار هي إقناع كل من المتحاورين الطرف الآخر بصحة الفكرة التي يتحدث عنها، وتكوّن القناعة في النفس أمرٌ يحتاج إلى تروٍ ومزيد تأمل، وهذا يستدعي أن يمنح المحاورُ الطرفَ المقابل وقتًا للتفكر والنظر.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (( لما أمر رسول الله - بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، -قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه- قالت: قال: إن الله عز وجل قال: {ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ?} [2] قالت: فقلت: في أي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله - مثل ما فعلت ) ) [3] .
ثامنا: الحرص على الإقناع:
وهذه الصفة هي ثمرة الحوار وغايته، وإقناع المحاور بصحة قولك نجاحٌ لك في حسن عرض الحق الذي عندك، ونهاية حسنة للحوار، ودليل على تحقيق ما تقدَّم من الصفات.
ولا يعني ذلك أن يكون المحاور ثابتًا على رأيه لا يتزحزح عنه، مهما ظهرت دلائل صحة قول خصمه، وذلك أننا نفترض أن المتحاورين كليهما يعتقد صحة قولَه، ولذا يسعى لإقناع صاحبه، لكنه في الوقت ذاته مطالبٌ بقبول الحق الذي يجري على لسان من يحاوره، إذا ظهرت براهين صدقه. وإذا سلم المتحاوران من الهوى والانتصار لحظوظ النفس، أمكنهما تحقيق هاتين الصفتين معًا.
وهذه الصفة -الحرص على الإقناع- تجدها حاضرةً في حوارات النبي - كلها، وقد تقدم ذكر قصة الشاب الذي جاء يستأذن النبي - في فعل الزنا، وكيف أن النبي - كان حريصًا على إقناعه بخطئه [4] . وبالمقابل فإنَّه - كان يعود إلى رأي من يحاوره إذا ظهر صوابه.
تاسعًا: أن يكون ممتثلًا لما يدعو إليه.
(1) أخرجه مسلم (حديث 12) .
(2) سورة الأحزاب (الآيتان(28 - 29) .
(3) أخرجه البخاري (حديث 4507) ، ومسلم (حديث 1475) واللفظ له.
(4) ينظر صفحة (34) .