ثانيتها: أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات، ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرحٍ يقدر كما مثَّله النبي - صلى الله عليه وسلم - بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعدما فقدها وأيس من أسباب الحياة، ولم يجئ هذا الفرح في شيءٍ من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب وقلبه، ومزيده لا يعبر عنه، وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد، فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية.
ثالثتها: أن عبودية التوبة، فيها من الذل والانكسار، والخضوع، والتملق لله تعالى والتذلل ما هو أحب إليه سبحانه من كثير من الأعمال الظاهرة.
رابعتها: أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل مما لغيره؛ فإنه قد شارك من لم يذنب من ذل الفقر، والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية. والله سبحانه وتعالى أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله، وانكسار قلبه، كما في الإسرائيليات عن موسى عليه السلام قال: يا رب أين أجدك؟ قال عز وجل: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.
وهذا - والله أعلم - هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم، والمسافر، والصائم.
خامستها: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة بكثير