الصفحة 13 من 33

وللدولة الحق بل عليها مسؤولية أن تتعرف على تلك الأموال ثم تستأدي مها حق الزكاة، وعندما يجد الفرد نفسه قد تحقق عليه الواجب في الزكاة للدولة الإسلامية من جهة، وعدم إستثمار أمواله من جهة أخرى، فإنه سوف يقدم على تحرير تلك الأموال وتشغيلها حتى يؤدي الزكاة من إيرادها لا من أصلها (61) .

ومع أن الشرع قد حرم الإكتناز كما في الآية السابقة، إلا أن الزكاة لم تترك هذا المالك المكتنز للعقوبة الآخروية، بل حررته من كنزه لتؤخذ منه الزكاة، والتي تحثه على الإستثمار، وكما ينقل د. قحف عن السيد محمد ارشاد قوله:"لم يعرف العالم بأسره نظامًا إقتصاديًا مثل النظام الإسلامي في حله لمشكلة تراكم الثروة المعطلة دون أن تستثمر في تحسين الأحوال المعيشية للمجتمع"، وينقل كذلك عن عبد المنان بأنه يرى الزكاة الأداة الإقتصادية التي لا تقبل المساواة في موضوع الإكتناز لأنها تحد من الميل لإكتناز الثروة وتشكل باعثًا حثيثًا على إستثمار الثروات المجمدة (62) .

واليوم نجد أن كثيرًا من هذه الأموال المعطلة بالنسبة للأفراد التي تتمثل في الودائع الجارية (وهي ودائع تحت الطلب يحق لصاحبها أن يطلبها أو يسحبها في أي وقت يشاء ولو بعد يوم) لدى البنوك التجارية أو في ودائع حقيقية لديها - مجوهرات معدة للتجارة الخ وبالتالي يصبح من السهولة أخذ الزكاة من هذه الأموال المعطلة بقوة القانون، بل يفرض ضرائب عليها بحكم أنها فائضة من جهة، وكحمل للأفراد على إستثمارها وتوظيفها من جهة أخرى، والزكاة تؤدي دورًا هامًا لا في التمويل العام فحسب، بل في التمويل الخاص من حيث تحريرها للمواد المعطلة (63) .

وبهذا يظهر لنا أن الإسلام سبق النظريات الحديثة، ففرض الزكاة على جميع الأموال المعدة للنماء، سواء أكانت أموالًا نقدية أم أموالًا عينية، فقد فرض الزكاة بنسب محددة معلومة على الأموال النقدية، وعلى السوائم وهي تشمل الإبل والبقر والغنم التي كانت تمثل في ذلك الوقت طاقة مالية ضخمة، وعلى لزروع والثمار التي تخرجها الأرض، وفائدة الضريبة المتعددة أنها لا تشعر دافع الضريبة بالثقل ولا ترهقه بالدفع لأنها موزعة على جميع أنواع المال، كما أنها تحقق العدالة الضريبية بين الناس من يعمل منهم في ميدان التجارة والزراعة أو من يعمل في ميدان تربية الحيوان (64) .

وعند مقارنة فريضة الزكاة بالضرائب المعاصرة لا بد من ملاحظة التكييف القانوني للزكاة الذي يختلف عنه في الضرائب من حيث توافر فكرة الاستخلاف وفكرة التكليف والتكافل الاجتماعي، والإخاء بين المسلمين وغير ذلك من الأمور التي تتميز بها الزكاة، فهي فريضة الخالق بأمور الخلق.

الفرع الثالث: من حيث إنفاقها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت