كما هو معلوم إقتصاديًا بأن المقدرة التمويلية لأي مبلغ لا تقف عند المبلغ ذاته بقدر ما تقف هذه المقدرة عند كيفية إنفاقه، وعند إنفاق هذا المبلغ في مجالات غير مجدية أو غير مفيدة (غير فعالة بلغة الإقتصاد) فسوف تنتهي القدرة لهذا المبلغ عند هذا الحد، أما إذا استخدم هذا المبلغ في مجالات إستثمارية، فإنه ينتج عن ذلك دخول إضافية ورؤوس أموال وعوائد إقتصادية أخرى لهذا المبلغ وبالتالي تعزز هذه المقدرة التمويلية (65) .
ومن هنا نلاحظ أن الزكاة لم تصرف إلا لذوي الحاجات من أصحاب المصارف الثمانية وهم الذين فيهم صفة الحاجة والعوز، الذين ذكروا في الآية الكريمة بقوله تعإلى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وإبن السبيل من الله والله عليم حكيم) (66) ، وقد حدد الله تعإلى هذه الأوجه ولم يتركها للإجتهاد سواء كان هذا الإجتهاد من ملك مقرب أو من نبي مرسل، فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعإلى لم يرض في قسمة الأموال بملك مقرب أو نبي مرسل حتى تولي قسمتها بنفسه) (67) .
ونجد كذلك أن الدولة لا تتكلف شيئًا عن الجهاز الإداري للزكاة، وإنما ينفق عليه من واردات الزكاة (68) ، بأجرة معلومة على قدر عملهم، ولا يستأجرون بجزء منها للجهالة بقدره (69) .
ومن جهة أخرى فإن هذا التحديد لا يعني الحجر والجمود الذي يتنافى مع طبيعة المنهج الإسلامي من حيث مرونته وقابليته لتلبية حاجيات الناس وتطورات الحياة، فالمصارف وإن حصرت في حدود النص الكريم إلا أنه لم يحدد مواصفات وشروط كل مصرف، بل ترك ذلك للفقه الإسلامي لمواكبة استخدام حصيلة الزكاة وتطور المجتمع وظروفه.
المطلب الثالث
الدور الإستثماري للزكاة
الإستثمار في اللغة من الثمر وهو حمل الشجر، وأنواع المال والولد، والثمر والذهب والفضة، وثمّر ماله أي نماه وكثره، ويقال ثمر الله مالك أي كثر (70) .
ويعرف الإستثمار إصطلاحًا بأنه:"جهد وراع رشيد يبذل في الموارد المالية، والقدرات البشرية، بهدف تكثيرها وتنميتها، والحصول على منافعها" (71) .