الصفحة 12 من 33

الفرع الثاني: من حيث ما تحرره من موارد معطلة في شكل أرصدة نقدية

الزكاة كما هو معلوم تفرض على الأموال النقدية، سواء كانت هذه الأموال عاملة أم معطلة، ويترتب على هذا أن الزكاة تعتبر مصدرًا تمويليًا هامًا، إذ لا يقف بها الحد عند المقدار الذي تحصله فقط، مع العلم بإتساع هذا المقدار وضخامته إلاّ أن الزكاة تقدم تمويلًا أيضًا بمقدار ما تحرره من رؤوس أموال نقدية معطلة ومكنّزة، ولهذا، كثيرًا ما نجد التوجيهات والأوامر النبوية تحت أوصياء اليتامى على إستثمار أموالهم، فقد ورد في الحديث الشريف (ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) (53) .

ولهذا لم يفرط الإسلام في المال الخاص حتى ولو كان صاحبه صبيًا أو مجنونًا، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحث على إستثمار أموال اليتامى إذ قال: (ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) (54) لأن الزكاة يراد بها ثواب المزكي ومواساة الفقير، والصبي المجنون من أهل الثواب وأهل المواساة (55) .

والأثر التمويلي المترتب على هذا الحث على الإستثمار والتشغيل هو دخول أموال نقدية جديدة وعديدة إلى مجالات التشغيل والتوظيف بعد أن كانت هذه الأموال والثروات عاطلة ومكتنزة، يقول صاحب الروضة الندية:"من وضع مالًا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه إلى أهل الحاجات ومصالح المسلمين" (56) ، فمن وقف على مسجد أو على الكعبة، أو سائر المساجد في العالم شيئًا فيها لا ينتفع به أحد فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا متصدق لله سبحانه وتعإلى، وهو يدخل في قوله تعإلى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (57) ، والإمام الغزالي رحمه الله عند تفسيره لهذه الاية الكريمة يقول:"وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالًا مما كنز لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس .. ، ويقول"من نعم الله تعإلى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوام الدنيا، وهما هجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه، وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ويملك ما يستغنى عنه، ... فخلق الله تعإلى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما .... فكل من عمل فيهما عملًا لا يليق بالحاكم بل يخالف الغرض المقصود فقد كفر نعمة الله تعإلى فيهما" (58) ."

ومعلوم أن إكتناز المال وادخاره وعدم إستثماره وتشغيله في معترك الحياة والتقتير والإسراف إلى حد السفه والترف أمور منهي عنها في الإسلام، والدولة مسؤولة عن منع ذلك. حتى ولو كان الكنز منها، لتأثير ذلك على البلاد، يقول إبن خلدون:"فالمال إنما هو تردد بين الرعية والسلطان منهم إليه، ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عند فقدته الرعية، سنة الله في عباده" (59) ، وكذلك أورد إبن خلدون كتاب طاهر بن الحسين إلى إبنه عبدالله عندما ولاه المأمون ولاية الرقة ومصر، فقال فيه:"واعلم أن الأموال إذا كثرت وادخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم، وكف الأذية عنهم نمت وتركت وزكت وصلحت به العامة فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله" (60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت