الحمد لله اللطيف بعباده فيما يجري به المقدور، المدبر لهم بحكمته وعلمه في الميسور والمعسور، الذي فاضل بينهم في الذوات والصفات وجميع الأمور، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور، وأشهد أن لا إله لا هو وحده لا شريك له في التقدير والتدبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي فاق جميع الخلق في الصبر على الضراء والشكر عند السرور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على مر الأيام والدهور وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى الذي خلقكم ورزقكم وعافاكم وأنعم عليكم النعم الظاهرة والباطنة وأولاكم، فإن المؤمن لا يزال في نعمة الله إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا لهٍ، وعليكم بالقناعة فإنها كنز لا ينفد وذخر لا يفنى فهي غنى بلا مال وعز بلا جنود ولا رجال، فالقناعة أن يرضى الإنسان بما قدر الله له، وأن ينظر إلى من هو أدنى منه في العافية والمال والأهل، فإن ذلك أقرب إلى معرفة النعمة وشكرها، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم في هذه الأشياء فإن ذلك يؤدي إلى القلق وكفران النعماء، فالمعافي في بدنه أو ماله أو أهله، ينظر إلى من ابتلي بشيء منها ليعرف قدر نعمة الله عليه، وإذا كان هو مبتلى بشيء من ذلك فلينظر إلى من هو أعظم ابتلاء منه، فإنه ما من مصيبة تصيب العبد إلا وفي الوجود ما هو أعظم منها، فإذا كان غنيًا فلينظر إلى الفقير، وإن