الصفحة 50 من 71

[الإسراء: 3] .

واعلم أن الشكر والصبر جماع الإيمان كما روي في الخبر (الصبر نصف الإيمان) [1] لكن قال بعض المتصوفة الشكر أفضل من الصبر فإن الصبر حبس النفس إلى مسالمة البلاء، والشكر أن لا تلتفت إلى البلاء بل تراه من النعماء، فمن صبر فقد ترك إظهار الجزع، ومن شكر فقد تجاوز إلى إظهار السرور بما جزع له الصابر، وأيضًا الصبر ترك العمل السيئ والشكر إظهار العمل الحسن، وليس من ترك قبيحًا كمن فعل جميلًا وقابل تعالى الشكر بالمجازاة فعل الحبيب بحبيبه فقال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] وقابل الصبر بالأجر فعل المستأجر بأجيره فقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء، ثم قال في الصبر {يُوَفَّى} فلم يسم فاعله وقال في الشكر {سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال، ولم يذكر من أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم، ووصف جماعتهم بالصبر فقال: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] وقال: {لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ: 19] .

فجعل الصبر مبدأ الشكر تنبيها ولأن الصبر محمول عليه قهرًا

(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية (5/ 34) والخطيب في تاريخه (3/ 226) والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه الحافظ في الفتح (1/ 45) وجعله من قول ابن مسعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت